Yahoo!

دعوة لمناقشة مسودة كتاب

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 01:40 ص

تطور الفكر السياسي السني

نحو خلافة ديموقراطية

تأليف أحمد الكاتب

  المحتويات

 

المقدمة:  بين الخلافة والديموقراطية

 الباب الأول: الطابع المدني للدولة الإسلامية الأولى

الفصل الأول: طبيعة دولة الرسول الأعظم في المدينة

الفصل الثاني: الطابع المدني لتجربة الخلفاء الراشدين

1-             البيعة والشورى

2-             حدود الطاعة للإمام

3-             المال العام في عهد الخلفاء الراشدين

4-             العدالة للجميع

5-             حق المعارضة والإصلاح

 الفصل الثالث:الثغرات الدستورية في تجربة الخلفاء الراشدين 

    1- حصر الخلافة في قريش

    2-   العهد الى عمر

    3 -  مجلس الشورى

    4 -  سيطرة بني أمية

الفصل الرابع: نهاية عهد الخلفاء الراشدين

 الفصل الخامس: الإنقلاب على الخلافة

 أ - حصر الحكم في بني أمية

ب – تحويل الحكم الى نظام وراثي

ج -  إضفاء صبغة الخلافة الدينية على الملك

   الباب الثاني :  نشوء المذهب السني، وتأسيس الأصول التشريعية

 الفصل الأول: أصل "الحديث" أو "السنة"

                   ولادة المذهب الحنبلي:

الفصل الثاني

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أحمد الكاتب يدعوكم لمناقشة كتابه الجديد: نحو خلافة ديموقراطية لا سنية ولا شيعية

كتبها أحمد الكاتب ، في 20 مارس 2007 الساعة: 04:30 ص

أحمد الكاتب يدعوكم لمناقشة كتابه الجديد: تطور الفكر السياسي السني نحو خلافة ديموقراطية لا سنية ولا شيعية

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نحو خلافة ديموقراطية .. لا سنية ولا شيعية!

كتبها أحمد الكاتب ، في 13 فبراير 2007 الساعة: 13:43 م

  

الخاتمة

      لم يكن الفكر السياسي السني يوما فكر الجماهير "السنية" المسلمة، وإنما كلام الفقهاء المتحالفين مع الأنظمة المستبدة، والنخب الثقافية المحيطة بها، وذلك لأن الجماهير تبحث دائما عن الحرية والعدالة والمشاركة السياسية، وهو ما لا يوفره ذلك الفكر الذي يدعو الى الخنوع وتقبل الظلم والطاعة للحكام المستبدين الذين يستولون على السلطة بالقوة والقهر والغلبة. ولكن الفكر السياسي السني شهد خلال القرن الماضي، وخاصة بعد سقوط "الخلافة العثمانية" ثورة داخلية تمثلت في الدعوة الى الديموقراطية ورفض الاستبداد، والتخلي عن مصادر التشريع "السنية" المسئولة عن إنتاج الفكر الاستبدادي والترويج له، بحيث لم يعد الفكر السني يحمل من نفسه سوى الاسم. ولم تعد تربطه أية رابطة بذلك الفكر القديم.

  وبكلمة أخرى.. لم يعد الفكر السياسي السني "سنيا" وإنما أصبح "ديموقراطيا" وهناك فرق كبير بين الأثنين، لا يدركه إلا من يتمسك بأصوله السنية، وهم  فئة من السلفيين الذين يعلنون عداءهم للديموقراطية بكل قوة، ويتهمون الدعاة المسلمين لها بالكفر والشرك والإلحاد. اعتقاداً منهم بوجود نظام سياسي "إسلامي" فريد ومتميز هو نظام "الخلافة". وتناقضه مع الديموقراطية.

   وفي الحقيقة إنهم ينسجمون مع أنفسهم في رفض الديموقراطية، ولكنهم يخطئون في اعتبار الفكر السياسي الذي يحملونه باسم "الخلافة" بأنه يمثل الاسلام، أو يشكل الفكر السياسي الإسلامي. والمشكلة بدأت وتبدأ لديهم من قراءتهم لتجربة الخلفاء الراشدين، والتصور خطأً بأنها كانت تجربة دينية، في حين إنها كانت – كما رأينا في الفصل الأول- تجربة مدنية عقلية عرفية. وإن صفة الخلافة الراشدة التي اكتسبها الخلفاء الراشدون كانت نابعة من ذواتهم وأخلاقهم وإيمانهم، ولم تكن صفة لنظامهم السياسي وطريقتهم في تداول السلطة أو علاقتهم الخاصة مع الناس. وإنها لذلك لم تكن تجربة مثالية نموذجية فوق إنسانية، يجب الاقتداء بها كما يقتدى بالأنبياء والرسل. بل كانت تعاني من بعض الأخطاء والثغرات التي أدت الى انهيارها بعد أقل من نصف قرن من قيامها.

  وربما يعود الارتباك في فهم تجربة الخلفاء الراشدين، الى الارتباك في فهم تجربة الرسول الأعظم محمد (ص) السياسية، حيث جمع بين الدين والدولة، وأقام مجتمعا سياسيا وخاض الحروب وجاء بشريعة وقوانين ودعا الى تنفيذها. وكل ذلك يتطلب قيام سلطة سياسية تخلفه في إمامة المسلمين وتطبيق الدين. وهذا صحيح فإن كثيرا من أمور الدين تتوقف على السلطان. ولكن هذا شيء  واعتبار "الخلافة" نظاما دينيا يشكل امتدادا للرسالة، أو جزء ضروريا منها، شيء آخر. فإن الرسول لم يتحدث أبدا  عن النظام السياسي الذي يخلفه، ولا عن الشخص الذي يخلفه، وإنما ترك ذلك للمسلمين لكي يختاروا نظامهم السياسي في كل زمان ومكان، ويطبقوا الدين بأنفسهم. وهذا ما لم يدركه الشيعة الإمامية الذين قالوا بضرورة النص والوصية وتعيين الإمام الخليفة من رسول الله، وبأن الإمامة امتداد للنبوة، وهي دينية مقدسة لا دخل للناس فيها ولا في اختيار الإمام.

  وفي حين يرفض الفكر السياسي السني نظرية الإمامة الشيعية ويؤكد أن الامامة نيابة عن الأمة، فإنه يعود فيضفي على "الخلافة" هالة دينية، ويدعي أنها جزء من الإسلام. ولعله يقع في هذه الأزمة نتيجة قول بعض المتكلمين بوجوب قيام الإمامة، سمعاً وليس عقلا.

  لا يمكن بالطبع محاكمة الفكر السياسي السني على أنه فكر واحد مبتلور بصورة واحدة، فقد نشأ هذا الفكر عبر قرون، وضم تيارات عديدة، وتطور من حال الى حال. وما كان مقبولا له في يوم أصبح مرفوضا منه في يوم آخر، وبالعكس. إلا أن ما يبرر وضع مجموعة من الأفكار والنظريات والقوانين تحت عنوان (الفكر السياسي السني) هو استنادها الى أصول "أهل السنة" وعلى رأسها "السنة والإجماع".

  وقد استعرضنا في الفصل الثالث جوهر "أهل السنة" وقلنا إنهم أساساً "أهل الحديث" الذين ولدوا في القرن الثاني الهجري، ورفعوا شعار "السنة" في مقابل "أهل الرأي" من المعتزلة والاحناف الذين لم يكونوا يقبلون الا السنة العملية والمتواتر من الحديث، على العكس من "أهل الحديث" الذين كانوا يتوسعون في تقبل الأحاديث المنسوبة الى النبي، والتي كان يكتنفها الكثير من الشكوك. وقد أدت الأحاديث الضعيفة التي كانوا يعتمدونها الى إضفاء الثقة على كل صحابي، وتقبل روايته، مما وسع أكثر دائرة الأحاديث المقبولة لديهم ورفض أية مناقشة علمية فيها، بالرغم من مخالفة بعضها للقرآن والعقل والعلم والمتواتر من الحديث. ثم أدى ذلك بأهل السنة الى تأسيس أصل جديد هو أصل "الإجماع" واعتباره مصدرا تشريعيا جديدا الى جانب القرآن والسنة. انطلاقا من حجية عمل الصحابة، وإضفاء الشرعية الدينية النموذجية على كل ما يقومون به.

  وأضحى هذان الأصلان السنيان: "السنة (بالمعنى الواسع للأحاديث) والإجماع" لدى كثير من أهل السنة، أقوى من الأصلين الأساسيين للدين، وهما القرآن والسنة النبوية، حيث أصبحت (السنة) حاكمة على الكتاب، وأصبح (الإجماع) أقوى من النص، أو حاكما على الحديث.  وقد توسع علماء أهل السنة في استخدام (الإجماع) في الأمور المختلفة حتى كاد يطغى على المصدرين الأساسيين (القرآن والسنة) ويصبح المصدر الأول للدين. وبالرغم من أن موضوع الحكم كان موضوعاً دنيوياً عرفياً عقلياً متروكا للناس، ولم يكن أمراً دينياً منصوصاً عليه في القرآن الكريم أو السنة النبوية، إلا ان تأصيل (الإجماع) فتح بابا واسعا لإدخال السياسة في الدين، وتغطية أنظمة الاستبداد المضادة للخلافة، وإضفاء الصبغة الشرعية عليها.

  وهكذا قام الفكر السياسي السني بالخلط بين الخلفاء الذين كانوا يتبعون الحق والعدل ويحترمون إرادة الأمة، وبين الحكام الذين كانوا يستولون على السلطة بالقوة ويفسدون في الأرض.وإطلاق صفة الخلافة عليهم، بالرغم من وجود أحاديث نبوية تقصر الخلافة على فترة محدودة (ثلاثين عاما).

  وبينما كان الامام أبو حنيفة يقول بأن الخلافة لا تكون إلا بإجماع المسلمين ومشورتهم، وكانت المعتزلة تذهب الى أن الإمامة اختيار من الأمة ، وأنها عقد يقوم  على البيعة الطوعية والرضا العام؛ أخذ أهل السنة يعترفون بشرعية الاستيلاء على السلطة بالقوة وحكومة الأم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الثورة على أصول المذهب السني

كتبها أحمد الكاتب ، في 13 فبراير 2007 الساعة: 12:30 م

الفصل الثاني: الثورة على أصول المذهب السني

 

   لقد واجه التيار الديموقراطي الإسلامي الحديث، وهو يؤصل للديموقراطية في إطار الإسلام، عقبتين رئيسيتين هما "السنة" و"الإجماع" الأصلان السنيان اللذان تبلورا في القرنين الثاني والثالث، وتم بواسطتهما إضفاء الصبغة الدينية على نظام "الخلافة" واعتبار الفقه السياسي السني تراثاً "إسلامياً". واللذان يشكلان حاجزا أمام التطور الديموقراطي من حيث اعتبار الديموقراطية بدعة غربية مرفوضة، تتناقض مع "النظام السياسي الإسلامي" المبني على الاستبداد والصلاحيات المطلقة للامام. وهذا ما دفع قادة التيار الديموقراطي الإسلامي الى القيام بعملية نقد جذرية للأصول "السنية".

 

1 - نقد أصل "السنة" (أو أخبار الآحاد الضعيفة المنسوبة الى النبي الأكرم)

 

   فقد قام كثير من العلماء المتأخرين (كالإمام محمد عبده، ورشيد رضا، وأحمد أمين ومحمود أبو رية ومحمد حسين هيكل، ومحمد الغزالي، وحسن الترابي ويوسف القرضاوي والغنوشي) بإعادة النظر في بعض أحاديث البخاري ومسلم، ولاسيما الأحاديث السياسية التي تشكل قاعدة الفكر السياسي السني، والتي تأمر بطاعة الحاكم الظالم الفاسق وتحرم الثورة، وتشترط القرشية، وما الى ذلك. وتحديد "السنة" بالسنة العملية والصحيح الثابت من الحديث فقط.

  فقد رفض الإمام محمد عبده الأخذ بحديث الآحاد - إذا ما خالف العقل أو القرآن أو العلم - مهما بلغت درجته من الصحة في نظر المحدثين.[1] ورفض تلميذه الفقيه المحدث محمد رشيد رضا مساواة السنة بالقرآن، أو هيمنتها عليه، أو إبطال حكم من أحكامه أو نقض خبر من أخباره. وأكد:"أن السنة لا تنسخ القرآن، والعمدة في الدين كتاب الله تعالى في المرتبة الأولى والسنة العملية المتفق عليها في المرتبة الثانية، وما ثبت عن النبي، وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في الدرجة الثالثة".[2]

   ونفى الشيخ رشيد رضا أن يكون الله قد كلف مسلما بقراءة صحيح البخاري والإيمان بكل ما جاء فيه، وإن لم يصح عنده، أو اعتقد أنه ينافي أصول الاسلام، وقال"إن البخاري ورواته ليسوا معصومين عن الخطأ. فكم في الصحيحين من أحاديث اتضح للعلماء غلط الرواة فيها، وكم فيها من أحاديث لم يأخذ بها الأئمة في مذاهبهم". [3]

 

  وانتقد الدكتور أحمد أمين في كتابه (فجر الاسلام) قواعد الجرح والتعديل السلفية، التي تقوم على نقد الاسناد أكثر مما تقوم على نقد المتن، وأنكر بعض أحاديث البخاري التي تتناقض مع الحوادث الزمنية والمشاهدة والتجربة.[4]

  وقطع الشيخ محمود أبو رية بأن السنة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار.[5] وقال:" إن القرآن هو أصل الدين القويم، وإن السنة لم تكن إلا مبينة له، ولا بد أن يكون البيان صحيحا واضحا لا شبهة فيه".[6]  وأضاف:"إن علماء الأمة لم يأخذوا بكل حديث نقلته إليهم كتب السنة".[7]

  وذهب أبو رية في تضعيف أصل "السنة" الى درجة كبيرة، نفى فيها رغبة كبار الصحابة في جعل الأحاديث (كلها) دينا عاما دائما كالقرآن."ولو كانوا فهموا عن النبي (ص) أنه يريد ذلك لكتبوا ولأمروا بالكتابة ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وثقوا به وأرسلوه الى عمالهم ليبلغوه ويعملوا به، ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة المعروفة". وذهب الى مخالفة الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية،   للكثير من الأحاديث المتفق على صحتها.[8]  

  ورفض أبو رية أصلا مهما من أصول المذهب السني، وهو (عدالة جميع الصحابة) الذي تسبب في تمرير كثير من الأحاديث الضعيفة في المجال السياسي، وقال:"إن عدالة جميع الصحابة تستلزم ولا ريب الثقة فيما يروون وما رووه قد حملته كتب الحديث بما فيه من غثاء، وهذا الغثاء هو مبعث الضرر وأصل الداء . وإن القول بعدالة جميع الصحابة، وتقديس كتب الحديث يرجع إليهما كل ما أصاب الإسلام من طعنات أعدائه، وضيق صدور ذوي الفكر من أوليائه". وأرجع سبب البلاء الذي أصاب الإسلام الى "عدالة الصحابة المطلقة، والثقة العمياء بكتب الحديث التي تجمع بين الغث والسمين".[9]

  ومن هنا اتبع الشيخ محمد الغزالي منهجا في قبول الأحاديث يعتمد على رفض أخبار الآحاد، المعارضة للقرآن الكريم ، حتى وإن وردت في الصحاح، فقال:"كان أئمة الفقه الإسلامي يقررون الأحكام وفق اجتهاد رحب يعتمد على القرآن أولاً فإذا وجدوا في ركام المرويات ما يتسق معه قبلوه وإلا فالقرآن أولى بالاتباع". [10] ودعا الى ضرورة العناية القصوى بالقرآن نفسه. وحذر من إدمان النظر في كتب الحديث وهجران القرآن.  وأكد أنه ليس لأخبار الآحاد أن تشغب على المحفوظ من كتاب الله وسنة رسول الله. [11]

 الترابي

  وقام المفكر السوداني الشيخ حسن الترابي بثورة كبرى في مجال نقد "السنة والإجماع" حينما دعا الى تجاوز كل التراث الإسلامي، وعدم التوقف عند تجارب السلف. وأكد على أن التراث الديني هو  القرآن والسنة فقط، وان كل ما عداهما من كسب المسلمين. وقدم مفهوما جديدا "للسنة النبوية" يختلف تماما عن التصور الأصولي "السني" لها ؛ فلم يعترف مثلا بخبر الآحاد كحجة في الأحكام، وطالب بإعادة النظر جملة في علوم الحديث، وصياغتها مرة أخرى بعد تنقيح مناهج الجرح والتعديل ومعايير التصحيح والتضعيف.. واقترح إعادة تعريف مفهوم الصحابة، ورفض القاعدة "السنية" الأساسية التي تنص على أن كل الصحابة عدول.[12]

   ونفى الدكتور محمد زين العابدين عثمان أن تكون أحاديث الرسول وحياً يوحى، أو أن تكون بوزن القرآن أو مساوية له. ورفض الاعتراف بصحة أي حديث لا يتوافق، أو يتعارض، مع أي آية من آيات القرآن "لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يقول كلاماً يتعارض مع كلام الله". ورد النظرية السنية القديمة التي تقول بأن الأحاديث المدونة في الإصحاحات، حاكمة أو مهيمنة على ما جاء في القرآن. وطالب بعدم العمل بها متى ما تعارضت أو تباينت مع القرآن. وذلك لأن القرآن الكريم كتاب كامل وجامع وشامل لكل شيء ومفصل له، وليس هناك ما يمكن أن يضاف للقرآن ليتم له النقص بالأحاديث النبوية. ودعا الدكتور عثمان الفقهاء الى  استعمال العقل والفكر في كل الأمور الاجتهادية.[13]

  ورغم قيام كثير من الفقهاء عبر التاريخ بغربلة الأحاديث، إلا أن اعتمادهم على منهج "نقد الإسناد" وحده أدى الى تسرب الكثير من الأحاديث غير الصحيحة في "السنة". ولذلك دعا المصلحون المجددون الى الجمع بين ذلك المنهج ومنهج "نقد المتون" الذي كان يمارسه المعتزلة والأحناف ويرفضه "أهل السنة" سابقا، فقال الدكتور طه جابر العلواني:"إنّ إعمال مقاييس "نقد المتون" ضرورة ملحّة لا يمكن الاستغناء عنها والاكتفاء بـ"نقد الأسانيد" وحده، سواء أكان الإسناد عالياً أو نازلاً، صحيحاً أو مشهوراً، حسناً أو دون ذلك". وعلل ذلك بالقول:"إن كثيراً من الأحاديث  قد اجتاز "حواجز الإسناد" ومر من خلالها. ولم تستطع غرابيل "منهجيّة الإسناد الذاتيّة" لأسباب عديدة أن توقفها أو تعرقل مرورها. إنّ "نقد المتون" يساعد على كشف بعض العلل الخفيّة في الإسناد؛ وقد يساعد في تقليل نسبة تأثير "الذاتيّة" في الإسناد توثيقاً وتضعيفاً؛ ونعني بالذاتيّة ما أَلِفَه كثيرٌ من العلماء من أحكام بالتوثيق والتضعيف تعتمد على الرأي الشخصيّ للراوي وموقفه من المروى عنه".[14] وأكد العلواني ضرورة استعمال منهج "النقد العلميّ البنّاء" لتدارك ما قد يكون تسرب إلى الصحاح من أحاديث ضعيفة.[15] ودعا الى "الاعتصام بالكتاب ثم الكتاب ثم الكتاب ثم بيانه من السنّة النبويّة الصحيحة".[16]

   وكذلك دعا الدكتور عبد الحميد أحمد أبو سليمان، الى إصلاح فكر الأمة باعتماد القرآن الكريم ومقاصده ومفاهيمه الأساسية المحكمة بحيث تكون هي الحَكَمُ في قبول ما سوى القرآن الكريم من النصوص والاجتهادات والتأويلات، وتحكيم نقد المتن، وسد كل باب يتأتى منه الخلط والتشويه، والانحراف عن مقاصد القرآن الكريم ورؤيته الكونية. وأكد عدم حاجة المسلمين الى زيادة السنة الصحيحة بأحاديث لا نجزم بصحتها متنا أو سندا.[17]

    وتعجب الدكتور عبد الجبار سعيد ممن يرددون مقولات تزعم أن السنة قاضية على الكتاب، وأن الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب. وقال:كيف لا يكون الكتاب قاضياً على السنة ومهيمناً عليها. وقد قضى وهيمن على كل ما سواه من الكتب والعلوم والأقوال، كيف وقد جاءت السنّة مبينة لما في القرآن، فكيف يقضي المبيِّن على المبيَّن، وكيف يقضي الموضِّح على الموضَّح، وكيف يحتاج الأصل إلى الفرع، أكثر مما يحتاج الفرع إلى الأصل.[18]

 

   وفي سياق رفضه لما دخل في "السنة" وكتب "الصحاح" من أحاديث ضعيفة، شكك الدكتور عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي، بحديث (الأئمة من قريش) الذي اتخذه الفكر السياسي السني أساسا له،  لمخالفته للقرآن الكريم الذي يقول : (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ومخالفته لأحاديث آحاد مثله، ترفعها موافقتها للقرآن عن درجته، تتعلق بمساواة المسلمين ذمما ودماء. ونفى صحة ذلك الحديث أو وجود الإجماع عليه.[19]

 

  وقام الاستاذ إبراهيم فوزي بانتقاد أصح كتاب حديث وهو (صحيح البخاري) فاتهم جامعه بالهوى السياسي، وبالاعتماد على المراسيل والضعاف.[20] وقال:"إن البخاري روى عن رجال ضعفهم مسلم ولم يرو لهم، وروى مسلم عن رجال ضعفهم البخاري ولم يرو لهم". وأشار الى اختلاف البخاري ومسلم في توثيق بعض رجال الإسناد، أو تضعيفهم.[21] وانتقد تحيز البخاري لرفضه الرواية عن كل شيعي حتى لو كان صحابيا مثل أبي الطفيل، وروايته عن أعداء الامام علي مثل الشاعر الخارجي عمران بن حطان السدوسي، المتوفى سنة 84 .[22]  

   ثم انتقل الاستاذ إبراهيم فوزي الى نقد عموم "السنة" فقال:"كانت النتيجة عند جمع السنة في القرن الثالث الهجري تدوين أحاديث عن رسول الله متناقضة، وأحاديث تناقض القرآن وتنسخ أحكامه، وأحاديث ليس فيها سنة ولا قدوة ولا تشريع ولا عبادة، ولا شيء يفيد المسلمين في دينهم أو دنياهم. وقد اختلفت المذاهب على صحتها".[23] وضرب مثلا لذلك بالأحاديث التي توجب طاعة الامام، والتي تنسخ كل الأسس التي يقوم عليها نظام الشورى في الاسلام، وتمنع البحث في شرعية الحكم. وتسمح لكل فرد بالاستيلاء على السلطة، وتوجب على الأمة طاعته، كيفما كانت الوسيلة التي وصل بها الى ذلك، وكيفما كان حكمه، وتحرم الخروج عليه وتعتبر ذلك جريمة ومعصية دينية.[24]

 

   وهكذا شكك القاضي المصري عبد الجواد ياسين، في كثير من الأحاديث "السياسية" واعتبرها خارج السنة الصحيحة.[25] ودعا في مقابل ذلك، الى التمسك فقط بالنصوص الثابتة (القرآن وصحيح السنة) والعودة بدائرة النص الى حجمها الطبيعي الأول الذي حدده الوحي.[26] وحذف كل الإضافات التي حُملت على نص السنة، من جراء المنهج الإسنادي في جمع الروايات والأخبار. وإعادة قراءة ثم كتابة "علم الحديث". على ضوء "الحاسة النقدية" بنت العقل والحرية.[27]

   وأكد القاضي ياسين "وجود إشكالية في النص السني، لا تزال قائمة حتى اليوم، رغم الجهود التي بذلت بالاستناد الى مبادئ علم الحديث الكلاسيكي". ودعا الى حل تلك الإشكالية حلا صحيحا بقراءة السنة، سندا ومتنا، على ضوء التاريخ.[28]

   كما دعا ياسين الى وضع السنة في مرتبة تالية من الكتاب "إذ القرآن هو الكتاب المهيمن على الدين كله".[29] ورفض تخصيص عام القرآن بأخبار الآحاد الضعيفة، كحديث "الأئمة من قريش" الذي يشكل حجر الأساس في النظرية السياسية السنية، ويعارض التصور الإجمالي العام الذي ترسمه المبادئ الكلية للقرآن.[30] وتساءل:"هل يجوز لهذه الأخبار أن تخصص عموم القرآن؟ أو بعبارة أخرى، هل تملك صلاحية إلغاء العدل أو تخصيص المساواة، وبعبارة ثالثة مكافئة، هل يصح قبول الخبر المنسوب الى النبي (ص) بأنه قال :"الأئمة من قريش" على معنى الوجوب التأبيدي، رغم ما ينطوي عليه – بالمخالفة للعقل والاستقراء التاريخي من تأبيد القبيلة؟". وانتقد القاضي ياسين المذهب السني القائل بأن أخبار الآحاد تملك صلاحية تخصيص العام الوارد في القرآن بحجة أن دلالة العام في القرآن دلالة "ظنية" وأن أخبار الآحاد يمكن أن تخصص عموم القرآن. من منطلق أن الظني يملك صلاحية تخصيص الظني. ورفض ياسين التسليم بهذه النتيجة "لأن ظنية العام – على فرض التسليم بها – تتعلق بالدلالة، بينما ظنية خبر الآحاد تتصل بالثبوت. فهما ليست من طبيعة واحدة. فعام القرآن قطعي الثبوت بغير خلاف، وخبر الآحاد ظني الثبوت بغير خلاف".[31] ونفى من هذا المنطلق أن تكون لأخبار الآحاد صلاحية التخصيص حيال عموم القرآن، لأنه قطعي في ثبوته ودلالته بينما هي ظنية في ثبوتها بغير جدال.[32]

  وانتقد ياسين اعتبار الإمامين الشافعي وأحمد للسنة نصا موازيا للقرآن، وقال "إن ما يطلق عليه لفظ "السنة" في المفهوم السلفي، لم يثبت أنه كله "وحي" على الحقيقة". ونفى أن تكون أخبار الآحاد التي تم جمعها في القرن الثاني، بغير إلزام نصي من القرآن ولا من النبي (ص) بل ورغم نهي النبي (ص) عن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تطور الفكر السياسي السني من الخلافة الى الديموقراطية/ الثورة الديموقراطية الإسلامية

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 22:19 م

 

الباب  السادس  :

 تطور الفكر السياسي السني من الخلافة الى الديموقراطية

 الفصل الأول:الثورة الديموقراطية الإسلامية

 المذهب السني ونظام الخلافة   

    عندما سقطت "الخلافة العثمانية" في عشرينات القرن الماضي، كانت نظرية "الخلافة" قد أصبحت جزءا لا يتجزء من المذهب السني، أو عموده الفقري  ومحوره المهم ، بالرغم من أن المذهب السني لم يكن يعرف نظرية "الخلافة" عند نشأته في القرن الثاني الهجري، ولم يكن يعترف بالحكام المسيطرين على العالم الاسلامي إلا بكونهم ملوكا وسلاطين. ولكن المذهب السني القائم على أصلي "الحديث" و"الإجماع" أولد عبر التاريخ فكرا سياسيا التف حول النظام العباسي ثم العثماني، وكان يتألف من موقف أساسي هو القول بكون النظام السياسي "الخلافة" ركنا من أركان الدين، ومن تفصيلات فرعية تنظم العلاقة بين الأمة والإمام على أساس معين (استبدادي)، كما استعرضناها في الفصول السابقة، وكذلك كان يتألف من موقف سلبي رافض للتطورات الديموقراطية الغربية. ولذلك فقد شكل إلغاء أتاتورك للخلافة العثمانية صدمة كبرى للعالم الاسلامي (السني) الذي لم يستسلم لقرار الإلغاء، وصمم على إعادة الخلافة في أقرب وقت وفي أي مكان. كما يقول الدكتور محمد ضياء الدين الريس: "إن الخلافة في ذاتها نظام صالح بل مثالي وبأن الإسلام أوجب إقامته كأحد فروض الدين الأساسية بل الفرض العام الأكبر".[1] وإن المسلمين لا يستطيعون أن يتجاهلوها أو يهملوها أو يغضوا الطرف عنها، خوفاً من أن  يقع عليهم الإثم من الوجهة الدينية ، كما يقع عليهم إذا أهملوا أحد فروض الدين، فما بالك بالفرض الأول أو الأكبر، الذي أجمع عليه علماء الدين؟.[2]

 

   وقد رفضت هيئة كبار العلماء في مصر، قرار إلغاء الخلافة وأدانته واعتبرته بدعة، ودعت المسلمين الى "التفكير والعمل من أجل إعادة نظام الخلافة".[3] وقال الشيخ الأزهري الدكتور يحيى إسماعيل:"إن جماعة المسلمين لا يصلح لها من نظام تذود به عن دينها وتعطيه الولاء من قلوبها والطاعة من أنفسها والمحبة من أفئدتها وتحوطه بأعينها …إلا النظام الذي أقامه الإسلام وفصلته السنة نظام البيعة والشورى والنصيحة..إن أهل السنة والجماعة – وبخاصة أهل الحديث منهم – هم أول من وضع الأصول السياسية للحكم الإسلامي. وذلك بما جمعوه من أقوال الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأفعاله وأقوال الصحب الكرام وأفعالهم وأودعوه دواوين السنة الكريمة".[4]  

   واعتبر السنهوري نظام الخلافة بكل عيوبه نظاما إسلاميا متميزا تجب إقامته والمحافظة عليه والدفاع عنه.[5] وقال:"إن الشريعة توجب على المسلمين إقامة نظام الخلافة الصحيحة، أما الخلافة الناقصة الفاسدة المفروضة بالقوة والسيطرة، فقد فرضتها الضرورة الناتجة عن القوة الغاشمة التي لم يمكن مقاومتها".[6]      

   ونشأت لذلك حركة واسعة في مصر والهند والعالم الاسلامي من أجل إعادة الخلافة، وقامت أحزاب مثل جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي لتحقيق هذا الهدف. حيث قال الإمام حسن البنا:"إن الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية ومصحف وسيف. وإن إعادة الخلافة فرض عين على كل مسلم ومسلمة". وقال حزب التحرير: "إن نصب خليفة يعتبر فرضاً على جميع المسلمين ، كأي فرض من الفروض التي فرضها الله ، وإنه أمر محتم لا تخيير فيه ولا هوادة في شأنه، والتقصير في القيام به معصية من أكبر المعاصي يعذب الله عليها أشد العذاب".

  وإذ لم ينجح "أهل السنة" في تحقيق هذا الهدف بشكل كامل حتى الآن، فإنهم نجحوا في إقامة بعض الأنظمة ذات الميول الإسلامية هنا وهناك، وتعاملوا معها بنفس الثقافة السياسية القديمة التي تعطي للحاكم صلاحيات مطلقة، بغض النظر عن طريقة وصوله الى السلطة، أو كيفية ممارسته لها. ومع أنهم لم يطلقوا عليها صفة "الخلافة" إلا أنهم تعاملوا معها كما تعامل أئمة السنة الأوائل مع الأنظمة القائمة في تلك الأيام.[7]

 

  وكما كان سقوط "الدولة العثمانية" مناسبة لانطلاق حركة إعادة الخلافة، فقد كان أيضا مناسبة لانطلاق حركة نقدية واسعة للفكر السياسي السني، ومراجعة مفرداته المختلفة، بدءا من "إسلامية نظام الخلافة" ومرورا بالعلاقة بين الدين والسياسة، وانتهاء بالفكر الاستبدادي المطلق، وبناء فكر سياسي جديد يقوم على الديموقراطية. كما كان أيضا مناسبة لمراجعة أصول المذهب السني كالحديث والإجماع، والعودة الى القرآن الكريم والعقل.

  وربما كان الشيخ المصري الأزهري علي عبد الرازق، أشهر رجل ينفي أن يكون الإسلام دينا ودولة، ويهاجم الخلافة من يوم أبي بكر الى آخر خليفة عثماني، ويدعو الى التخلي حتى عن اسمها. حيث قال:"إن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون…والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية… لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وانما تركها لنا ، لنرجع فيها الى أحكام العقل، وتجارب الأمم وقواعد السياسة".[8]

 الوثيقة الدستورية التركية

   وقد قام أعضاء في البرلمان التركي، عشية القضاء على الدولة العثمانية، بمراجعة شاملة لفكر الخلافة واستبداله بالفكر الديموقراطي، وأعدوا وثيقة قانونية وفقهية مهمة تؤصل للفكر الديموقراطي على قاعدة إسلامية، وأعلنوا نزع الهالة الدينية عن "الخلافة" ورفضوا  قيامها على أساس القوة والقهر والغلبة والوراثة، وأكدوا على ضرورة الشورى وقيام الخلافة على أساس التعاقد الاجتماعي أو الوكالة عن الأمة.

    وقاموا بتفسير مصطلح "الخليفة" بـ "رئيس جمهور المسلمين". ليخلصوا الى أن ولايته العامة إدارية وسياسية كالولاية العامة الموجودة عند رئيس الجمهورية أو الملك، وأنها ليست كولاية البابا الروحانية لدى المسيحيين.[9] ورفضوا بندا في الدستور العثماني يقول"بأن ذات الحضرة السلطانية مقدسة وغير مسئولة". لإنه مأخوذ من قوانين أوربا الأساسية. ومخالف للشرع الشريف كليا، لأنه لا يقدس شخص أيا كان في الإسلام، والمقدس هو الله جل شأنه.[10]

   وأكدوا  على كون الخلافة عقد وكالة بين الأمة والإمام، وأنها لا تنعقد إلا بالانتخاب والبيعة. "لأن الشريعة لم تعط لأحد صلاحية التصرف على العامة رأسا. ولا يحق له التصرف فيها ما لم تخوله الأمة هذه الصلاحية".[11] وقالوا:"إن الخليفة يأخذ قوة الولاية العامة من الأمة رأسا".[12] وأجازوا بناء على ذلك "عزل الأمة للخليفة إذا أساء العمل في وظيفته".[13]

   وشنوا هجوما عنيفا على طريقة القهر والغلبة.[14] كما رفضوا انتقال الخلافة بالإرث "إذ أنها وكالة وهي لا تورث في زمن من الأزمان".[15]

   وأعاد أولئك النواب في وثيقتهم الدستورية، النظر في الموقف السني العام من نظام الخلافة، فرفضوا  الاعتراف بالخلافة اعتمادا على موقف الإمام الأعظم أبي حنيفة، الذي لم يقبل الخلافة الأموية والعباسية ولم يجزها. واعتبروا الخلفاء الأمويين والعباسيين ملوكاً وسلاطين لا خلفاء في الحقيقة.[16] وقالوا:"إن الخلفاء الذين أتوا بعد الخلفاء الراشدين- باستثناء واحد أو اثنين – نراهم جميعا أنهم لم يفكروا بعظم واجباتهم، وبنوا أحكامهم على الظلم والاعتساف والقهر والاستبداد وتصرفوا بالبلاد كيف شاءوا كأنها أملاكهم الخاصة واستعملوا الأمة كخدام لهم وأتباع.فلذلك لم تكن خلافتهم باختيار أهل الحل والعقد وانتخابهم، ولم يكونوا متصفين بالعدل والإنصاف، فليست خلافتهم حقيقية، بل ملك وسلطنة وحكومة مستبدة بحتة".[17]  

   وقد كانت تلك الوثيقة تمثل خلاصة فكر النهضة الإسلامية، ورواد الحركة الإصلاحية من أمثال خير الدين التونسي والطهطاوي والكواكبي وجمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده وتلميذه الشيخ محمد رشيد رضا وغيرهم من المفكرين المسلمين الذين رفضوا الاستبداد العثماني باسم الخلافة، ونادوا بالتطور الديموقراطي في إطار الإسلام.  

 

رشيد رضا

  وتقدم الشيخ رشيد رضا خطوة أخرى الى الأمام، فرفض الأحكام الدستورية السلبية التي تجيز انتخاب الإمام بواسطة شخص واحد أو عدة أشخاص.[18] وقدم مفهوما واسعا لأهل الحل والعقد، اقرب الى المفهوم الديموقراطي الحديث، فقال: " إنهم أهل الشورى من زعماء المسلمين".[19]

   ونظر الى واقع "الخلفاء" المستبدين والفاسدين، فتخلى عن النظرية السنية التقليدية بوجوب طاعة الإمام مهما كان ظالماً أو فاسقاً.[20]  ورد النظرية السنية التقليدية التي تقول بشرعية الاستيلاء على السلطة بالقوة، والمنافية للديموقراطية بشدة، فأكد أن الشورى هي قاعدة الحكم في الإسلام، وانتقد الأمويين على "سيئتهم التي لا تغتفر"  التي نسخوا بها قاعدة حكومة الإسلام.[21] وقال:"ما أفسد على هذه الأمة أمرها، وأضاع عليها ملكها، إلا جعل طاعة هؤلاء الجبارين الباغين واجبة شرعا على الإطلاق، وجعل عهد كل متغلبٍ باغٍ الى ولده أو غيره من عصبته، لأجل حصر السلطان والجبروت في أسرته، حقاً شرعياً وأصلاً مرعياً لذاته، وإن جعل أحكام الضرورة في خلافة التغلب أصلا ثابتا دائما هو الذي هدم بناء الإمامة وذهب بسلطة الأمة المعبر عنها بالجماعة ".[22] وقال:"إن هذه هي أعمال عصبية القوة القاهرة المخالفة لهدي القرآن وسنة الإسلام".[23] وأضاف:"كان أول فساد طرأ على نظام الخلافة وصدع في أركانها جعلها وراثية في أهل الغلبة والعصبية، وأول تقصير رُزئ به المسلمون عدم وضع نظام ينضبط به قيامها بما يجب من  أمر الأمة، على القواعد التي هدى اليها الكتاب والسنة، وأول خلل نشأ عن هذا وذاك تفلت الخلفاء من سيطرة أهل الحل والعقد الذين يمثلون الأمة، واعتمادهم على أهل عصبية القوة".[24] وأشار الى العلة الأولى لانهيار المسلمين وهي:"بدعة ولاية العهد" التي جعلتها القوة حقا لكل خليفة وإن كان متغلبا لا يعد من أئمة الحق .[25]

   وبناء على تحليله لواقع الدولة العثمانية المريض، قدم الشيخ رشيد رضا برنامجا إصلاحيا، يتمثل في إحياء منصب الإمامة، بإعادة سلطة أهل الحل والعقد المعبر عنه بالجماعة، لإقامة الحكومة الإسلامية الصحيحة القائمة على الشورى.[26] وقال:" إن حكومة الخلافة إسلامية مدنية قائمة على أساس العدل والمساواة".[27]

 

 

السنهوري

  وبالرغم من دعوة الدكتور عبد الرزاق السنهوري الى إعادة الخلافة، في كتابه "فقه الخلافة، وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية"[28] إلا أنه قدم خطة تقوم على أساس الشورى واختيار المسلمين من كل بلد لهيئة عامة تنتخب "الخليفة". انطلاقا من "أن الشريعة الإسلامية لا تفرض شكلا معينا لنظام الحكم".[29]  

   وكان السنهوري يرى أن فقه الخلافة يقوم على الشورى والسيادة الشعبية، ومبدأ البيعة الحرة في اختيار من يتولى السلطة.[30] وحاول أن يطور أصل "الإجماع" لكي يشكل قاعدة جديدة عصرية لنظام الخلافة الديموقراطي الذي كان يدعو اليه.[31] فقال:"إن الأمة الإسلامية تملك سلطة التشريع بطريق الإجماع، وإن إرادة الأمة تعبر عن إرادة الله. أما ولي الأمر (وهو الخليفة) فلا يملك من هذه السلطة شيئا".[32] واعتبر السنهوري الفقهاء ممثلي الأمة، الذين يمكن اختيارهم عن طريق انتخابهم بواسطة عامة المسلمين.[33] ولم يستبعد مساهمة الشعب بأجمعه في "الإجماع" الذي سينتج عن تطبيقه   نظام حكم نيابي إسلامي.[34]

ضياء الدين الريس

  ومع مرور الزمن أخذت الدعوة الى الخلافة تتطور، وراحت تركز على الهدف العام من الخلافة، وهو:"وجود قيادة عامة للأمة الإسلامية تمثل وحدتها، وتحفظ كيانها وتذب عنها الأخطار، وتحقق مصالحها المشتركة وتنفذ مبادئ الإسلام". كما توصل الدكتور ضياء الدين الريس ، الذي لم يلتزم بشكل خاص لنظام الخلافة، وتنازل عن الشكل الذي عرفت به الخلافة في عهدها الأخير.[35] واقترح بدلا من ذلك:" تشكيل منصب أو هيئة تمثل وحدة الأمة العامة، وتحقق المصالح المشتركة للدول كلها التي يتألف منها العالم الإسلامي. وتكون لها القيادة العامة وصفة السيادة، وتكون قيادتها جماعية، وتصدر قراراتها بالشورى، ويكون لقراراتها حق الطاعة على هذه الدول والشعوب.. وتحقق كل المقاصد التي كانت مطلوبة من الخلافة… فتكون إذن هي الخلافة في صورة حديثة لا مركزية، ولكن مع الوحدة، ديموقراطية شورية جماعية".[36] واقترح الريِّس أن تسمى تلك الهيئة:"منظمة الدول الإسلامية".[37] و"تقوم مقام الخليفة في العصور الماضية، وتؤدي الوظائف العامة التي كان واجبا على الخليفة أن يؤديها".[38] وطور الدكتور الريِّس - بناء على ذلك - اسم "الخليفة" الى "أمين الأمة الإسلامية".مينأمين  أ "لأن الخلافة انتقلت الى "المنظمة العامة" أما هو فوكيل عن المنظمة. والمنظمة هي التي تعينه لمدة محدودة.. ولها حق تغييره في خلال المدة، إذا وجدت أسبابا تقتضي ذلك. ويجوز أن يكون وكيل أو أمين الأمة الإسلامية هذا أحد رؤساء الدول الإسلامية، المتوفرة فيه شروط العدالة والخلق والثقافة والمعروف بشدة غيرته على الإسلام، والاهتمام بوحدة الأمة الإسلامية وقوتها والعمل لخدمته وتحقيق مصالحها".[39]

 

الشورى أساس الجامعة الإسلامية

 

  وتأييداً لذلك التوجه الديموقراطي، دأب الكثير من المفكرين المسلمين على التأكيد على مبدأ الشورى، فقال الشيخ محمد أبو زهرة:"ان الجامعة الإسلامية يجب أن تبنى على الشورى، لأنها الأصل في كل أمر جامع للمسلمين".[40] وطالب ببناء النظام السياسي على أساس العقل "لأن النصوص الواردة في سياسة الحكم محدودة قليلة، والثابت منها غير مفصل".[41] وقال الشهيد عبد القادر عودة:"إن نظام الحكم الوحيد الذي يعرفه الإسلام هو الحكم القائم على دعامتين: إحداهما طاعة الله واجتناب نواهيه، والثانية: الشورى، أي أن يكون أمر الناس شورى بينهم، فإذا قام الحكم على هاتين الدعامتين فهو حكم إسلامي خالص، وليُسمَّ بعد ذلك: الخلافة والإمامة. فكل هذه تسميات لا غبار عليها. أما إذا قام على غير هاتين الدعامتين فهو حكم لا ينسب للإسلام".[42]

   وقام الشيخ خالد محمد خالد بتطوير مفهوم الشورى الى ما يشبه النظام الديموقراطي فوضع سبعة مبادئ للحكم الإسلامي، تتلخص في:أن الأمة مصدر السلطات، والفصل بين السلطات ، والانتخابات العامة للرئاسة والبرلمان، والاعتراف بالمعارضة البرلمانية، والتعددية الحزبية، والحرية الصحفية والفكرية.[43]

  وقد أكد الشيخ محمد الغزالي مبدأ "الأمة مصدر السلطة"، وقال:" الأمة وحدها هي مصدر السلطة، والنزول على إرادتها فريضة، والخروج على رأيها تمرد. ونصوص الدين وتجارب الحياة تتضافر كلها على توكيد ذلك…وأخطأ من المفسرين من وَهِمَ أن الشورى غير ملزمة، فما جدواها إذن؟ وما غناؤها في تقويم عوج الفرد إذا كان من حقه أ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العوامل الذاتية في انهيار أنظمة

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 22:18 م

الباب الخامس

العوامل الذاتية في انهيار أنظمة "الخلافة"

   دور النظام الوراثي في الانهيار

  أ- النظام الأموي

     بغض النظر عن شرعية النظام الوراثي القائم على القوة والعنف الذي حمل اسم "الخلافة" منذ عهد معاوية الى آخر خليفة عثماني، فان عملية الاستخلاف والعهد الى الأبناء والإخوة كانت تسبب على مدى التاريخ صراعا بين الاخوة والأبناء، وتفجر الأنظمة السياسية من داخلها، كما كانت تؤدي في كثير من الأحيان الى تبوء رجال لا يلتزمون بالدين، أو أطفال صغار سدة "الخلافة" وهو ما كان يؤدي الى ضعف السلطة وتفكك الدولة واستيلاء الوزراء وقادة الجيش عليها، أو استقلال أمراء الأطراف عن المركز.[1] 

    وقد ساهم النظام الأموي الوراثي المتأزم في انتحاره وانهياره، الى جانب الحركات الثورية العديدة التي انطلقت رداً على جرائمه وسياساته الظالمة والمنحرفة عن الدين، والتي ابتدأت منذ أول يوم استولى فيه على السلطة ولم تهدأ يوما حتى قضت عليه.[2]

 

ب- النظام العباسي

   ومع انتقال السلطة الى العباسيين واعتمادهم النظام الوراثي، تكررت المظاهر السلبية التي كانت ترافق العهد الأموي، من الوصية الى أطفال أو فسقة أو ضعاف، واختلاف الورثة فيما بينهم الى حد الاقتتال الداخلي وتآمر بعضهم على بعض.[3]

    وإذا القينا نظرة خاطفة على مجمل التاريخ السياسي للخلفاء والسلاطين في العهد العباسي، لوجدنا أن الخلافة العباسية قامت كالخلافة الأموية على القوة، ولم تحسب يوما حسابا للرأي العام أو الرضا الشعبي، أو الاعتماد  على انتخاب الناس، وأنها فقدت السلطة لصالح البرامكة الفرس الذين سيطروا على الدولة، ثم فقدت القوة لصالح العساكر الأتراك الذين استقدمهم العباسيون لحماية أنفسهم من الناس، فاستبد هؤلاء بهم الى أن جاءت قوة أخرى هم البويهيون فاجتاحوا الخلافة وفرضوا على الخلفاء أن يفوضوهم السلطنة أو بالأحرى يقوموا بتغطيتهم شرعيا، الى أن جاءت قوة أخرى، وهي قوة السلاجقة، وفرضت نفسها على مركز الخلافة ، وعندما حاول الخلفاء العباسيون ان يستعيدوا قوتهم كانت قوة البلاد الإسلامية قد ضعفت وتشتت وتفككت الى أن انهارت أمام الموجة المغولية. وكان الصراع الدموي على السلطة في داخل الأسرة العباسية وخارجها السبب الأكبر في انهيار الخلافة.

   لقد كان النظام الوراثي يشبه لعبة اليانصيب، يعطي حينا حاكما قوياً، ولكنه يعطي معظم الأوقات حكاما ضعافا لا يعادلون صفرا في الكفاءة السياسية، وهذا هو سبب انهيار الخلافة العباسية وما سبقها ولحقها من أنظمة سياسية وراثية. فعندما خرج التتار في بداية القرن  السابع الهجري، كان بإمكان الدولة العباسية أن تستنهض الأمة وتبني منها قوة كبرى، لو كان ثمة خليفة قوي شجاع يتحمل مسئولياته بكفاءة، وهذا كان ممكناً لو كان للأمة الإسلامية دور في انتخاب الخليفة وتخطيط استراتيجية الدفاع. بيد أن بنية النظام السياسي العباسي القائمة على الوراثة، والخاضعة لتلاعب الحاشية، والبعيدة عن إرادة الأمة، سمحت بولادة "خليفة" ضعيف كالمستعصم، الذي "كان ضعيف الرأي والبصر بتدبير الأمور" بدلاً من عمه (الخفاجي بن الظاهر بأمر الله). وكما يقول السيوطي: فقد "كان للمستنصر أخ يقال له الخفاجي فيه شهامة زائدة، وكان يقول: لئن وليت لأعبرنَّ بالعسكر نهر جيحون، وآخذ البلاد من أيدي التتار واستأصلهم، فلما مات المستنصر لم يرَ الدويدار ولا الشرابي تقليد الخفاجي خوفاً منه، وأقاموا ابنه أبا أحمد (المستعصم) للينه وضعف رأيه، ليكون لهما الأمر" .[4] وهذا ما يدل على أن النظام السياسي الوراثي الفاسد هو الذي جاء بالخليفة الضعيف في أيام الأزمة الكبرى، بعيداً عن إرادة الأمة ورأيها، وهو الذي سمح بعد ذلك باستبداد كبراء الدولة بالأمر دون الخليفة، واتخاذهم قراراً بحل معظم الجيش  مداراة للتتار.[5]  وكانت النتيجة أن دخل التتار بغداد في سنة 656 وقتلوا الخليفة المستعصم وقضوا على الخلافة العباسية. [6]

 

ج - الأنظمة السياسية الأخرى

 

   وهكذا كان الحال في التجارب السياسية الأخرى التي نشأت في ظل العباسيين أو خارجهم كالدولة الفاطمية والأموية الأندلسية والحمدانية والطولونية والإخشيدية والمزيدية والعقيلية ودول المرابطين والموحدين والأدارسة والأغالبة والمماليك وغيرهم.

    وقد مثلت تجربة الطولونيين أول حكم محلي حكمت فيه أسرة حكما مستقلا عن حكومة الخلافة العباسية، وكان مؤسس هذه الأسرة أحمد بن طولون جنديا تركيا ابن أحد الموالي الذين أهداهم ملك بخارى للخليفة العباسي المأمون، وقد جاء الى مصر نائباً للحاكم العباسي فيها ، ولكنه استأثر بالحكم في ظل ضعف الدولة العباسية، ثم بسط سلطانه على الشام بينما كان العباسيون مشغولين بمقاومة ثورة الزنج، وحكم بعد أحمد بن طولون ابنه خمارويه ، الذي عقد مع الخليفة العباسي المعتضد اتفاقا يقضي بمنحه هو وورثته الحكم في مصر والشام لمدة ثلاثين عاما على أن يؤدي للخليفة جعلا سنويا مقداره ثلاثمائة ألف دينار. ثم بدأت الدولة الطولونية بالأفول.

   وتكررت القصة  مرة أخرى مع الإخشيديين الذين حكموا مصر من سنة 323 الى 358 ، بعد أن عين الخليفة العباسي الراضي عسكريا تركيا هو محمد بن طغج واليا على مصر ولقبه بالإخشيد، فاستقل عن الدولة العباسية وولى الأمر بعده لابنه علي، الذي كان صغيرا فسيطر عليه  عبده كافور، ثم أعيد الحكم بعد كافور الى أحد أحفاد طغج ولكنه كان ضعيفا جدا فتهاوى أمام احتلال الفاطميين.

   أما الحمدانيون الذين حكموا الموصل والجزيرة وسوريا حوالي مائة عام من سنة 293 الى سنة 394، فقد أسسها الأخوان الحسين بن حمدان ، القائد العسكري العباسي، وأخوه عبد الله بن حمدان، الذي كان واليا للعباسيين على الموصل، ثم اصبح حاكما مستقلا، واتخذ لقب (ناصر الدولة) ثم أخذ يوسع حدوده غربا، ثم راح أبناؤه يتداولون السلطة واحدا بعد آخر الى أن سيطر عليهم أحد الخدم (لؤلؤ) الذي خضع لسيطرة الفاطميين وأوصى بالحكم من بعده لبنيه.

  وورث الحمدانيين في الموصل العقيليون الذين حكموا من سنة 380 الى سنة 489 ، وكذلك المرداسيون الذين حكموا حلب وشمال سوريا من سنة 414 الى سنة 482 ثم انتهت دولتهم بحرب أهلية تصارع فيها الأخوة على السلطة حتى اجتاحهم العقيليون.

   وحكم المزيديون وسط العراق (الحلة) من سنة 350 الى سنة 545 ودخلوا في سلسلة من التحالفات والصراعات مع العقيليين والفاطميين والسلاجقة والعباسيين حتى قضى عليهم العباسيون.

   ولم يعلن أحد من حكام هذه الدول الخلافة، وإنما كانوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم في ظل الخلافة العباسية، ما عدا الحكام الفاطميين الذين أسسوا دولتهم في تونس وقضوا على الأغالبة ثم اجتاحوا الدولة الإخشيدية في مصر وزحفوا على سوريا والحجاز وكادوا يجتاحون العراق، فقد أعلنوا أنفسهم خلفاء في مقابل العباسيين، ربما لأنهم كانوا ينتمون لقريش ، أو للعترة النبوية الشريفة، في حين لم يكن أحد من الحكام المحليين السابقين ينتمي اليها، وقد انتهت الدولة الفاطمية بعد تصارع الأخوة فيما بينهم، عندما اجتاحهم الأيوبيون الذين ورثوا دولة الأتابكة في الشام، وقد عانت الدولة الأيوبية من مرض الحكم ، بعد وفاة مؤسسها صلاح الدين الأيوبي، حيث توزعت مملكته بين أفراد أسرته ودبت الخلافات بين الأمراء الأيوبيين في الوقت الذي كان الصليبيون يشنون حملة جديدة بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع، مما سمح للمماليك بأخذ زمام المبادرة والسيطرة على الحكم.

   وسار "المماليك" على خطى أسلافهم بتوارث السلطة والصراع عليها بين الاخوة والأعمام وأبنائهم، حتى سيطر عليهم العثمانيون في القرن العاشر الهجري.

 

د – العثمانيون

   رغم كل الفتوحات التي حققها العثمانيون في أوربا باسم الإسلام ، فان أسلوب تداولهم للسلطة كان أبعد شيء عن الإسلام، وعن الأعراف والقوانين الإنسانية، وذلك لما ابتدعه العثمانيون من أساليب جديدة في الحفاظ على سلطانهم ومنع التنافس فيما بينهم على السلطة، وذلك بقتل كل المنافسين المحتملين للسلطان، من أخوة وأبناء أبرياء يوم تولي السلطان الجديد للعرش، قبل قيام أولئك الضحايا بأي خطوة عملية مضادة، وزج الباقي في السجون أو الأقفاص العائلية. وكان القتل أحيانا يشمل الأعمام وأولاد الأخوة، حتى أصبح ذلك عادة أو قانونا رسميا في البلاط العثماني، وقد ابتدأ هذا الإجراء الفضيع السلطان با يزيد الأول، الذي قتل أخاه بيديه خنقا سنة 791هـ 1389م  ثم تحول الى قانون ثابت. وبناء عليه قتل السلطان محمد الثالث عام 1595م تسعة عشر أخا له وأثنين من أبنائه، في يوم توليه للعرش.

  وبدلا من حماية هذا القانون للنظام كما كان يعتقد العثمانيون، فانه أصبح في الواقع سببا لضعفه ولإذكاء الصراع على السلطة، من قبل الاخوة والأبناء ، دفاعاً عن أنفسهم من القتل الوقائي.

  ومع أن الدولة العثمانية تخلت عن ذلك القانون الوحشي فيما بعد، إلا أن السلاطين ظلوا يمارسون سياسة العقوبة الوقائية لمن يحتملون إمكانية منافستهم على السلطة من أقاربهم، وذلك باحتجازهم في البيوت و"الأقفاص" الخاصة ومنعهم من الاتصال بالعالم الخارجي، بحيث لم يكن هؤلاء - عندما يتسنى لهم  الوصول الى السلطة- يعرفون أي شيء عن السياسة والدنيا، غير الانغماس في الملذات والشهوات.

  ونظرا لقيام الخلافة العثمانية على العصبية القبلية، وليس المبدئية، فقد اتبعوا كمن سبقهم من "الخلفاء" الأمويين والعباسيين نظام توريث السلطة الى الاخوة والأبناء، وكانت نتيجة ذلك وصول بعضهم إلى الخلافة دون سن البلوغ أو الرشد.

 

سيطرة الإنكشارية

   وهذا ما أضعف "الخلافة" العثمانية بصورة عامة، وسمح للانكشارية (الجيش  العثماني الخاص) بالوثوب الى مركز القيادة والهيمنة على السلاطين، بحيث يعزلون من يريدون وينصبون من يريدون من السلاطين، وهو ما أدخل البلاد في دوامة جديدة من العنف والصراع.[7]

  ولقد دام هذا الصراع بين السلاطين العثمانيين وجيشهم الخاص (الانكشارية) حوالي ثلاثة قرون (من 1512 الى 1836) واستمر طيلة حكم ثلاثة وعشرين سلطانا عثمانيا من بايزيد الثاني الى السلطان محمود الثاني (1808-1839) الذي استطاع القضاء عليهم سنة 1821.[8] وهو ما أضعف الدولة العثمانية كثيرا ومنعها من مواصلة الفتوحات ومواجهة التحديات الخارجية. يقول الدكتور قيس جواد العزاوي:" إن الشغل الشاغل الأعظم لثمانية سلاطين من أحمد الثالث (1703 – 1730) حت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دور المؤسسة الدينية السنية في تكريس الفكر الاستبدادي

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 22:17 م

الفصل الثاني عشر: دور المؤسسة الدينية السنية في تكريس الفكر الاستبدادي

 

لم يعرف الإسلام وجود مؤسسة دينية رسمية تشابه المؤسسات الدينية اليهودية والنصرانية التي تهيمن على علاقات الإنسان مع ربه، وتحتكر التحدث باسم الدين أو تقوم بتفسيره. وإنما ترك كل ذلك لعامة الناس. وهناك آية في القرآن الكريم تدعو المسلمين للتفقه في الدين وهي:"وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون". التوبة 122  وهي تشير الى ضرورة نفر طائفة من كل فرقة ليتفقهوا في الدين، ولكنها لا تشير الى احتلال تلك الطائفة موقعا مميزا دينيا، أو تشكيلها طبقة خاصة مقدسة، كما هو الحال لدى اليهود والنصارى.

   وبناء على دعوة القرآن الكريم للمسلمين للتفقه في الدين فقد نشأت في القرن الأول فئة عرفت بالقراء، ولكنها كانت فئة شعبية مثقفة بثقافة القرآن ومفتوحة للجميع، أي غير محصورة في مؤسسة دينية أو تخضع لنظام إداري معين. وعندما احتك المسلمون بالحضارات الأخرى وخاصة اليهودية، نشأ لدى فريق منهم رأي بضرورة وجود أئمة دينيين يتوارثون علم النبي ويقومون بتفسير القرآن وتأويله وتطبيقه، وهو الفريق الذي عرف لاحقا بالشيعة الامامية، الذين اعتقدوا بعصمة الأئمة من أهل البيت وبالنص عليهم من الله، وبتلقيهم للعلم منه بطرق تشبه الوحي. ولكن عامة الشيعة وعامة المسلمين لم يوافقوهم على ذلك الرأي، ورفضه حتى أئمة أهل البيت الذين كانوا يؤكدون أن علومهم ليست وحيا من الله وإنما هي روايات يروونها أبا عن جد عن رسول الله (ص).

   وإذا كان أهل البيت يحتفظون برواياتهم الخاصة فقد كان يشاركهم في نقل الروايات عن رسول الله عدد كبير غير محصور من المحدثين (أهل السنة). وكان من بينهم بالطبع عدد من الفقهاء الذين ينظرون في الأحاديث وينتقون الصحيح من الضعيف. ولذلك طلب المنصور العباسي من الامام مالك بن أنس وضع كتاب (الموطأ) من أجل تعميمه على البلاد الإسلامية والعمل به كقانون في المحاكم. كما طلب من الامام أبي حنيفة أن يتولى القضاء فرفض ودفع ضريبة غالية بدخوله في السجن حتى مات فيه. ومع وجود عدد كبير من الفقهاء والمحدثين في القرن الثاني الهجري لم يكن المسلمون يعرفون الانتماء المذهبي، وإنما كانت الدولة تقوم بتبني آراء فقيه معين في المجال القضائي، وهكذا قامت الدولة العباسية بتعيين تلميذ أبي حنيفة القاضي أبي يوسف على رأس مؤسسة القضاء، كما قامت في مرحلة لاحقة بتبني الفكر الاعتزالي وعينت قضاة معتزلة في ذلك المنصب. وعندما انقلب المتوكل على المعتزلة قام بتقريب أ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

انهيار الخلافة، أو انفصال السياسة عن الدين

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 22:15 م

الفصل الحادي عشر:  انهيار الخلافة، أو انفصال السياسة عن الدين

   بعد أن كانت الخلافة في بداية عهدها ذات أهداف عظيمة "موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا" كما يقول الماوردي، أو "رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن الرسول الأكرم" كما يقول ابن خلدون، وكان يفترض أن تكون انعكاسا لتطلعات الأمة الإسلامية، وأداة لها لتحقيق مهمة خلافة الله في الأرض ؛ تحولت إلى ملك عضوض وأصبحت محلا للصراع بين أهل الدنيا وهدفا لأجل الحصول على المال والنساء والعلو في الأرض بغير حق. وبعد أن كانت وسيلة لتنفيذ الشريعة الإسلامية وتحرير العباد وتحقيق العدل، أصبحت لدى معظم الخلفاء والملوك هدفا لذاته، وانحدرت إلى أسفل دركاتها، وأصبح الخلفاء رمز الظلم والفساد ومخالفة الشريعة والاعتداء على حقوق الناس. وحدث في ظل ما يسمى بالخلافة أول انفصال بين  الدين والسياسة.

   وكما رأينا خلال الفصول الماضية، فقد كان تدهور الخلافة بسبب قيامها على القهر والغلبة والعهد إلى الأبناء والإخوان والأقارب وانفصالها عن الأمة بعد إلغاء الشورى، وتعاليها على المراقبة والنقد والمحاسبة.

   ومن هنا لم يكن غريبا أن نشهد وصول رجل مثل الوليد بن يزيد بن عبد الملك لمنصب الخلافة في العهد الأموي. بعد وصية أبيه إليه بولاية العهد، بعد أخيه هشام، بغض النظر عن مؤهلاته وصفاته والتزامه بالدين. فتسلم الوليد الأمر عند موت هشام في ربيع الآخر سنة 125هـ. وكان فاسقاً فاجراً، منتهكاً حرمات الله ، واشتهر بالخمر واللواط، كما يقول الذهبي.[1] وقد رشق القرآن بالسهام وفسق ولم يُخفِ الآثام حتى سُمِّي "فرعون هذه الأمة".[2] مما أدى إلى ثورة الأمويين ضده، بقيادة يزيد الناقص، وقتله. وقد تبرأ منه حتى أخوه سليمان بن يزيد، وقال عندما شاهد رأسه على رمح:" بعداً له، أشهد أنه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا ولقد راودني على نفسي".[3]

   وإذا كان الوليد بن يزيد قد ضرب المثل الأعلى في الفسق والفجور والاستهتار والانقلاب على مبادئ الشريعة، فان العديد من "الخلفاء" كانوا يشربون الخمر علنا في مجالسهم، ومنهم الهادي موسى بن المهدي ، حسبما يقول الذهبي، والمتوكل الذي كان منهمكا في اللذات والشراب واللهو.[4]  والمقتدر الذي يقول المؤرخون عنه : "أنه كان مؤثرا للشهوات والشراب مبذرا، وخاضعا للنساء" .[5]  والقاهر الذي كان سيئ السيرة سفاكا للدماء مدمن الخمر.[6]  وآخرون غيرهم. وحتى إذا لم يكونوا يشربون الخمرة، فانهم كانوا يقتلون النفس المحرمة، ويغتصبون المال الحرام، ولا يضعونه موضعه، مما كان يسلب عنهم لقب "الخليفة" ويحولهم إلى ملوك ظالمين، حسب تعريف الصحابة لمصطلح "الخلافة".

    ومن هنا ذهب جماعة من أئمة السلف منهم أحمد بن حنبل ، إلى كراهية إطلاق اسم الخليفة على من بعد الحسن بن علي.[7] وهذا هو الواقع، إذ كان الملوك الأمويون والعباسيون ومن جاء بعدهم، إلا ما ندر، من أبعد الناس عن "الخلافة" بمعنى حراسة الدين وسياسة الدنيا، أو نيابة الرسول في تطبيق الشريعة الإسلامية، وكان يجدر بالفكر السياسي الإسلامي والسني خصوصا، أن يعمل على تقييد صلاحيات الملوك المطلقة، ودفعهم للتناغم مع إرادة الأمة، والقيام بدور النيابة عنها. ولكن تصديق "أهل السنة" للروايات الواردة عن الرسول الأعظم (ص) دون تمحيص ولا تفكير، وخاصة الأحاديث التي تقول بعدالة جميع الصحابة وضرورة الطاعة للأمير الفاجر، أدى بهم إلى التهاون في مسألة اشتراط العدالة والقبول بحكومة الفاسق، بل واعتباره مؤهلاً للخلافة. وذلك في محاولة من "أهل السنة" لتصحيح حكم معاوية وإضفاء صفة الخلافة عليه. وكانوا في موقفهم هذا مخالفين لموقف الصحابة والسلف الصالح.[8]

    وقد مر معنا في فصل (الطاعة المطلقة للإمام) موقف الإمام أحمد بن حنبل وشيخه علي بن المديني، والأشعري، والطحاوي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي بكر الخلال، والبربهاري، واللالكائي، وابن زمنين الأندلسي، وغيرهم وغيرهم، من تلك الأحاديث، ومن وجوب السمع والطاعة للحاكم الفاسق الفاجر ، واعتبار ذلك ركناً من أركان "السنة والجماعة".[9] 

    يقول الدكتور عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي:"أما العدالة ، فصغرى وهي تجنب فسق الأعمال، وكبرى هي تجنب فسق الأعمال والمعتقد؟ وقد رأى بعض الحنفية أنها ليست بشرط ضروري لصحة الخلافة، وان اختيار الفسقة والظلمة لها جائز مع الكراهة، سواء عند التولية أو للاستدامة، أو ممارسة مهام تقليد الولاة والقضاة وغيرهم.[10]ويقول الدكتور الدميجي:" أجاز أهل السنة والجماعة إطلاق كلمة (خلفاء) على من جاءوا بعد الخلفاء الراشدين وان كانوا ملوكا بشرط كونهم من قريش… وان كان فيهم بعض الانحراف والتقصير في بعض واجبات الدين بشرط القرشية".[11]

  وهذا ما يؤكد تسامح الفكر السياسي السني مع شرط العدالة المهم في الخليفة، بالإضافة إلى الشروط الأخرى كالانتخاب والرضا من الأمة، واقتصاره على شرط القرشية الذي كان تحصيل حاصل، ولا يقدم ولا يؤخر. وهو ما أدى إلى الاعتراف بالخلفاء الأمويين والعباسيين كما هم ودون النظر إلى مدى التزامهم بالشريعة الإسلامية وتحقيق العدل وحراسة الدين والدن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الموقف من حقوق المرأة السياسية

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 22:14 م

الفصل العاشر:  الموقف من حقوق المرأة السياسية

 

  في الوقت الذي كان الفكر السياسي السني ينفتح على إمامة الفاسق والجائر والمتغلب بالقوة والقهر، ويقبل بتحول الخلافة إلى ملك عضوض وإلغاء دور الأمة السياسي بصورة عامة من خلال إلغاء عملية الانتخاب عبر الشورى ومجلس أهل الحل والعقد؛ اتخذ موقفا سلبيا من حقوق المرأة السياسية، سواء على صعيد الإمامة، أو صعيد أهل الحل والعقد، أو صعيد الانتخاب والمشاركة السياسية.  وقد تم بناء الموقف السلبي من مشاركة المرأة السياسية بعد تحول الإمامة إلى "خلافة" مقدسة، وإضفاء الطابع الديني عليها، ورفعها إلى مقامٍ سامٍ يتلو النبوة ويقوم مقامها، وبناء على مصادر تشريعية خاصة كأخبار الآحاد والإجماع والقياس، وليس على القرآن أو السنة المتواترة.

   فقد رأينا في الفصول السابقة، أن الإسلام (كتابا وسنة) لم يتحدث عن النظام السياسي، وترك تفاصيل ذلك للناس لكي يبنوه حسب ظروفهم وأعرافهم وعاداتهم وتقاليدهم، ولكي يطوروه حسب عقولهم ومصالحهم، وأن تجربة الخلفاء الراشدين السياسية كانت تجربة إنسانية انبثقت من وحي الظروف العربية المحيطة بهم. وإذا كان الإسلام لم يؤشر على نقاط دستورية مهمة، وتركها للناس، فقد كان من الأجدر به أن لا يؤشر سلبا على نقاط أخرى فرعية. وبكلمة أخرى: إذا كان الإسلام لم ينص على طريقة انتخاب الإمام، ودائرة المرشحين والمنتخبين للإمام، وأهل الحل والعقد، وتفاصيل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وما إلى ذلك من أمور، فقد كان من الطبيعي أن لا ينص على منع المرأة من المشاركة السياسية على مختلف الأصعدة.

   وإذا ما عدنا إلى مبادئ الإسلام الأولية حول الموضوع، فسوف نجد أن الإسلام ينظر إلى المرأة والرجل نظرة متساوية في تحمل المسئولية وأداء دور خلافة الله في الأرض، حيث يقول الله عز وجل: "المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم". التوبة 71 وبما أن السياسة هي ترجمة عملية لمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنها من حق النساء والرجال بلا فرق، ومن واجبهم أيضا، وهم جميعا مسئولون عن ممارستها ومطالبون بأدائها.

  ولكن نظرا إلى طبيعة الرجال العسكرية، وانطواء السياسة على صراعات مسلحة وتلازمها مع الحروب، عادة، إضافة إلى سيطرة الرجال في المجتمعات العربية في صدر الإسلام، فقد تأخرت المرأة إلى الصفوف الخلفية الثانوية عمليا، وليس بالضرورة بناء على منطلقات عقدية أو نصوص شرعية.

 

   وقد ابتدأ الجدل حول الموضوع بأهلية المرأة لتولي منصب الإمامة العظمى، ثم امتد إلى دورها في مجلس أهل الحل والعقد، وانتهى في الأخير حتى إلى دورها في ممارسة حقها في البيعة وانتخاب الإمام. فبينما ذهب معظم الفقهاء إلى عدم أهلية المرأة لتولي الولايات العامة، أجاز بعض الفقهاء ذلك ما عدا الولاية العظمى (الخلافة) في حين أجاز فريق ثالث قيام المرأة بممارسة القضاء.

   وقام الرافضون لتولي المرأة الولايات العامة، بالاستناد إلى آية:" الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ". ( النساء:34 ) وانطلقوا من تقرير الإسلام لقوامة الرجل على المرأة في البيت، ليقرروا قوامة الرجل في الحياة السياسية ويمنعوا من تولي المرأة أي دور يتضمن قوامةً ما على الرجال أو النساء. واستعانوا أيضا بآية "وقرن في بيوتكن" الموجهة لنساء النبي ، ليستنبطوا منها عموم الحكم إلى جميع النساء.[1]

   وإضافة إلى هذا التأويل، قام الرافضون لتولي المرأة الولايات العامة، بالاستناد إلى حديث رواه البخاري ومسلم عن أبي بكرة الذي قال: "لمَا بَلَغَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنّ فارسًا مَلّكُوا ابنةَ كِسْرى قال : لن يُفْلِحَ قومٌ وَلَّوْا أمْرَهُم امرأةً".[2] ومع أن الحديث لم يأت بشكل نهي صريح، أو ضمن دستور شامل، وإنما جاء على شكل تعليق عارض في حادثة معينة، وهي تبوُّء بوران بنت شيرويه عرش فارس، فقد اعتمد الرافضون لتولي المرأة، على هذا الحديث (الواحد) في سلب المرأة أي حق في تولي أي منصب عام، وتشريع قانون  دستوري خطير يصادر حق جميع النساء في تولي الأمور العامة.[3]

   وربما استعان بعض الرافضين بأحاديث أخرى مثل حديث:"إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها". وهو ‏حديث غريب يرويه ‏صالح المري الذي كان ينفرد بغرائب لا يتابع عليها، وكذلك مثل حديث "الأخذ برأيهن مفسدة".  

 

   ورغم أن حديث أبي بكرة (خبر واحد) و (ضعيفا) لكون أبي بكرة محدوداً في قضية اتهام بالقذف. فقد صحح الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق الحديث، لرواية مسلم له، وعدم الشك في عدالة الصحابة. تبعاً للنظرية السنية في تصحيح الأحاديث . " وكم من حديث لم يروه إلا صحابي واحد. ولا يكون هذا قدحاً في الحديث، فإننا متعبدون بخبر الواحد الثقة، وقد عمل الصحابة ومن بعدهم من التابعين وأهل السنة جميعاً بخبر الواحد الثقة". وعدم معارضة الحديث لنص في القرآن والسنة. ثم قال:"إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلق حكماً عاماً بلفظ عام لا يختص بزمانه، ولا بقوم دون قوم فقال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)".[4]

   واعتمد الرافضون، بشكل رئيسي، على مبدأ (الإجماع) لمنع المرأة من ممارسة أي دور سياسي حتى في عملية الاستشارة. ومع أن تجربة الصحابة والتابعين لم تخلُ من أمثلة ونماذج لمشاركة المرأة السياسية في أكثر من صعيد. إلا أن الفكر السياسي السني وجد في تجربة الصحابة والتابعين السياسية ما يعزز موقفه السلبي  تجاه  المرأة ومشاركتها في الحياة العامة. حيث قال إمام الحرمين الجويني:" ما نعلمه قطعا، أن النسوة لا مدخل لهن في تخير الإمام وعقد الإمامة، فإنهن ما روجعن قط، ولو استشير في هذا الأمر امرأة لكان أحرى النساء وأجدرهن بهذا الأمر فاطمة رضي الله عنها، ثم نسوة رسول الله أمهات المؤمنين. ونحن بابتداء الأذهان نعلم أنه ما كان لهن في هذا المجال مخاض في منقرض العصور ومكر الدهور".[5]

   وقال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق :" إن ثمة إجماعا على أن الولاية العامة لا تجوز أن تتولاها المرأة سواء ولاية عامة كأن تكون رأس الدولة أو ولية تتولى ولاية الأمصار وحتى القضاء، هذا فيه إجماع من الأمة كلها من أيام النبي صلى الله عليه وسلم. وقد استدل بحديث أبي بكرة، جميع علماء الأمة وسادتها ممن يرون أنه لا تولى المرأة الولاية العامة، وسواء كان ذلك على المسلمين جميعاً في كل الأرض أو على فريق منهم، وهذا إجماع بين علماء المسلمين في جميع عصورهم، ولم يشذ عن ذلك إلا من لا يؤبه بخلافة كبعض فرق الخوارج".[6]

   ويشرح الدكتور فريد عبد الخالق مبدأ الإجماع ، فيقول:"ما استدل به القائلون بعدم مساواة المرأة للرجل في الحقوق السياسية ومنعها من الولاية العامة، إن السوابق التاريخية وما جرى

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التشرذم والوحدة

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 22:13 م

الفصل التاسع:  التشرذم والوحدة 

 

   قام الفكر السياسي السني بخطوة أخرى للوراء على صعيد الفرقة والتشرذم في المجتمع الاسلامي،  وذلك اعتمادا على بعض الأحاديث الغامضة والضعيفة مثل حديث الفرقة الناجية، الذي أضفى به مسحة دينية على حالة التفرقة القائمة في المجتمع الاسلامي، ووضع بيد الحكام سلاحا لضرب الكثير من الفرق والطوائف، ومنع التعددية الداخلية الفكرية والسياسية.      

 

أ- التعددية الداخلية

 

    فقد نقل "أهل السنة" حديث الفرقة الناجية، الذي يقول:"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار".[1] وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ، بإضافة:" قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال:"ما أنا عليه وأصحابي".[2] وفي رواية أخرى ثالثة بدل ذلك بإضافة:"قالوا: يا رسول الله ما تلك الفرقة؟ قال:"فرقة الجماعة". وفي رواية رابعة يتغير الجواب فيصبح:"وهي الجماعة". كما في رواية الإمام أحمد من حديث معاوية.[3]

   وقد أدى شيوع هذه الفكرة لدى جميع الفرق الإسلامية ، وبالخصوص لدى أهل الحديث، وادعاء كل طائفة أنها "الفرقة الناجية".. أدى إلى نشوء حالة نفسية استعلائية ضد الآخرين تشكل بحد ذاتها حالة استبدادية تحتكر صفة الإيمان والإسلام والسنة، وتتهم الآخرين بالكفر والضلال والبدعة وأنهم من أهل النار، وتتيح أو تمهد لإعلان الحرب عليهم ومصادرة حقوقهم وحرياتهم، وإقصائهم. كما تسمح لأي حاكم ظالم باستغلال تلك الفكرة للقضاء على معارضيه وبناء نظام مستبد باسم الجماعة، كما فعل معاوية بن أبي سفيان الذي استولى على السلطة بالقوة، واعتبر نفسه، حسب روايته للحديث، إمامَ الجماعة والفرقة الناجية.

  ويلاحظ أن هذا المفهوم للفرقة الناجية (الجماعة) يتناقض مع المفهوم الآخر الذي حاول "أهل الحديث" تسويقه للفرقة الناجية، وهو (ما أنا عليه وأصحابي). وذلك لأن "أهل السنة" – حسب اعترافهم – لم يكونوا دائما يشكلون الأكثرية أو الجماعة الإسلامية العامة، وإنما كانوا في كثير من الأحيان أقلية أو فرقة من الفرق، ولذلك قدموا تفسيرا جديدا للجماعة يساوي:(أهل الحق) فقالوا: "إن أهل الجماعة هم أهل الحق وإن قلوا". وبناء على ذلك، واستنادا إلى بعض الروايات التي تتحدث  عن (غربة الإسلام) وعن أفضلية القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم؛ كان "أهل الحديث" يعتقدون بانحراف الأمة الإسلامية وضلال معظم فرقها وطوائفها، وبغربة الإسلام فيها، وأن الأمة الإسلامية ليست كلها على الحق ولا هي مضمونة النجاة، و إنما بعض منها فقط وهم "أهل الحديث" الذين يشكلون "الفرقة الناجية".[4]  ولم يكن مفهوم (الأمة) عندهم  بالمعنى المعروف المتبادر،  أي الجماعة الشاملة التي تتخذ الإسلام دينا لها، بكل فرقها ، وكما تكونت وتطورت في الواقع التاريخي، بل كان يعني:(الجماعة الجزئية) وهي: "أهل الحديث" أو "أهل الحديث والقرآن" أو "أهل السنة والجماعة" حسب مصطلح أهل الحديث. ومن المعروف أن الحنابلة كانوا يخرجون الأشاعرة ، وهم غالبية المسلمين من "أهل السنة" ومن أهل الحق فضلا عن المعتزلة والشيعة والخوارج.[5]  

 

   إذن فقد شكل حديث الفرقة الناجية، وقيام كل فريق بتفسيره تفسيرا ضيقا، أرضية خصبة للديكتاتورية ورفض الاعتراف بشرعية التعددية الفكرية والسياسية. وساعد الشك بإسلام الغالبية، والحكم بضلالها وانحرافها، والإيمان باستحالة الحصول على تأييد الأكثرية (الناجية) على تعزيز خيار الاستيلاء على السلطة بالقهر والغلبة، وإلغاء الشورى، وإضفاء الشرعية على حكومات الأمر الواقع.

  ومن هنا قام الفكر السني (الحنبلي) بتغطية الاستبداد، ومنع الأمة من الثورة على الطغاة، ولا سيما إذا كانوا من "أهل السنة" كالمتوكل العباسي والحكام الداعمين للمذهب "السني".

   وإضافة إلى ذلك قام الفكر السني نفسه بممارسة استبداد فكري ضد من يرفض أية مقولة من مقولاته التي يتميز بها، وإرهابه بشدة، ومع أن كثيرا من مقولاته كانت تشكل بدعا جديدة تخالف السنة الصحيحة، فضلا عن العقل والقرآن، وعلى الأقل كانت تشكل اجتهادات بحاجة إلى نقاش، فان الإمام أحمد بن حنبل لم يترك أي خيار للمعارضة أو الرفض، وقدم مقولاته الخمسين التي ضمنها رسالته (أصول السنة) على اعتبار أنها تمثل "السنة النبوية" التي لا تقبل النقاش. ولقد كان يطلق على أفكاره ومفاهيمه التي استقاها من الأحاديث: "السنة". في حين كان يوجد احتمال كبير بأن تكون "بدعاً" مناقضة للسنة، أو أفكاراً مخالفة للتوحيد.

   لقد كانت المشكلة تكمن في اعتبار الإمام أحمد كل ما وصل إليه من أحاديث وأفكار واجتهادات من السنة النبوية، في حين كان ينبغي عليه أن يترك مساحة للشك، وقدراً من حرية الاعتراض والتفكير. وهذا ما لم يستطع تحمله بسبب حديث الفرقة الناجية.

  وربما كان من حق أحمد أن يدعي الاجتهاد ويتخذ أي موقف فكري يشاء، مع احترام اجتهادات الآخرين، ولكن إطلاق صفة "السنة" على موقفه ، وصفة "البدعة" على الرأي الآخر، ألغى حق الاختلاف، وحوَّل الأمر إلى فرقة ناجية وفرقة ضالة في النار.[6]

    إن مصادرة الإمام أحمد بن حنبل، لمصطلح "السنة" واحتكاره لمذهب "أهل الحديث"  أخرجت معظم المسلمين قديما وحديثا من دائرة أهل السنة، وألقت بهم خارجاً في خانة أهل البدعة، بدءا من الشيعة والمعتزلة ومروراً بالإمام أبي حنيفة والأحناف وانتهاء ً بالأشاعرة (المالكية والشافعية). وخلقت حالة من التشنج والتوتر في علاقات المسلمين الداخلية، وقضت على حالة التسامح والحوار والتعددية الفكرية والسياسية.[7]  

  وقد انعكس التطرف أحياناً ضد أهل الحديث أنفسهم، وذل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي