الثقافة الاستسلامية

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 22:12 م

 

الفصل الثامن: الثقافة الاستسلامية

 

   بعد أن قام الفكر السياسي السني، بتغييب الأمة الإسلامية وإبعادها عن المشاركة السياسية، روَّج لثقافة استسلامية  لعبت دورا كبيراً، عبر التاريخ، في إشاعة روح الخنوع أمام الطغاة، وهي الثقافة التي عرفت بعقيدة القدر والجبر، التي قامت القنوات السنية التي اعتمدت بشكل واسع على الحديث، بنقلها وتكريسها كأهم ملامح العقيدة السنية (الحنبلية). وهي ثقافة مناقضة لروح الثقافة القرآنية الحية التي كان يتمتع بها المسلمون في الصدر الأول. وقد استوردها "أهل الحديث السنة" من الثقافة الاستسلامية التي صاغها العهد الأموي الاستبدادي بهدف تخدير الجماهير المسلمة، ودفعها للرضوخ والخضوع للديكتاتورية الأموية.

  فقد آمن الإمام أحمد بن حنبل وأهل الحديث (وخاصة الحشويون) بنظرية الجبر، من خلال إيمانهم وتصديقهم بالأحاديث التي انتشرت في العهد الأموي، والتي تتحدث عن القدر بصورة تعني الجبر. واعتبروا  ذلك ركنا من أركان السنة، سالبين بذلك من الإنسان الحرية والمسؤولية عن فعل أي شيء أو اختيار أي شيء، سواء كان طاعة أو معصية. وقد اعتبر أحمد"الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها" أصلا من (أصول السنة) ونهى عن أن يقال:" لمَ؟ و كيف؟، إنما هو التصديق والإيمان بها. ومن لم يعرف تفسير الحديث، ويبلغه عقله؛ فقد كفي ذلك وأحكم له؛ فعليه الإيمان به والتسليم له".[1]

  وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الكلام هو إلغاء الحرية والقدرة والمسئولية والاختيار عن أية جريمة ، وتبرير ما يفعل الطغاة. وتأكيدا لهذه الفكرة روى عبد الله بن أحمد بن حنبل ، أن رجلا سأل سالم بن عبد الله: هل الزنى بقدر؟ فقال: نعم. قال: كتبه عليّ ويعذبني عليه؟ فأخذ له الحصى.[2] ليضربه.

  وكان ذلك يعني إلغاء الثواب والعقاب في الآخرة على أساس العمل الصالح أو الطالح. يقول الإمام البربهاري، إمام أهل السنة في القرن الرابع:"اعلم أنه لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله، ولا يعذب الله أحدا إلا بذنوبه، ولو عذب الله أهل السماوات وأهل الأرضين برهم وفاجرهم عذبهم غير ظالم لهم. ولا يجوز أن يقال لله تبارك وتعالى إنه ظالم، وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له، والله جل ثناؤه له الخلق والأمر، والخلق خلقه، والدار داره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا يقال: لم؟ وكيف؟ لا يدخل أحد بين الله وخلقه". [3] ولما كان هذا المنطق يتعرض مع جوهر الاسلام الذي يقوم على فكرة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، لم يجد "أهل الحديث السنة" إلا النهي عن الكلام والجدل والخصومة في القدر – كما يقول البربهاري- "لأن القدر سر الله، وقد نهى الرب تبارك وتعالى الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى رسول الله (ص) عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله (ص) والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر، فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان، واعتقاد ما قال رسول الله (ص) في جملة الأشياء وتسكت عما سوى ذلك".[4]

  وذهب القدريون الى إنكار فكرة الابتلاء في الدنيا، وزعموا أن الله فضل المؤمنين على الكافرين بهدايتهم للإيمان، ومع ذلك فانه قد يعذبهم في الآخرة، ويدخلهم النار. ومن يقول عكس ذلك فهو صاحب بدعة.[5]    

   وهناك كتاب منسوب الى الإمام أبي الحسن الأشعري، وهو كتاب " الإبانة عن أصول الديانة" يدعي الحنابلة أنه آخر ما كتبه الأشعري بعد ما مال اليهم تماما، وينفي صحته الأشاعرة ، يقول فيه:" إن الله وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم، ونظر إليهم، وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم، ولم يلطف بهم بالإيمان،كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو هداهم لكانوا مهتدين كما قال تبارك وتعالى:"من يهد الله فهو المهتدِ، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون". الأعراف 178، وان الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وأنه خذلهم وطبع على قلوبهم".[6]

   ويذهب الأشعري في ذلك الكتاب الى أن أن الله خلق المؤمنين للجنة وخلق الكافرين للنار، ويقول:" أخبرنا (الله) أنه ذرأ لجهنم كثيرا من خلقه، فالذين خلقهم لجهنم وأحصاهم وعدهم وكتبهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم غير الذين خلقهم لعبادته… وجاء في الخبر: "إن المنافقين يجعل في أصلابهم كالصفائح فلا يستطيعون السجود" (البخاري 4919) وفي هذا تثبيت لما نقوله من أنه لا يجب لهم على الله عز وجل إذا أمرهم أن يُقدرهم". ويأول قوله تعالى:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" بأن الله عز وجل إنما عنى المؤمنين دون الكافرين.[7] ويؤكد أن"الهدى لا يجتمع مع الضلال، وإذا كان هكذا فما شرح الله صدور الكافرين للإيمان، بل ختم الله على قلوبهم، وأقفلها عن الحق، وشد عليها…وهذا يبين أن الله خلق كفرهم ومعاصيهم". [8] ويقول:"قال الله عز وجل مخبراً عن أهل النار أنهم قالوا:"ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين". المؤمنون 106 ، وكل ذلك بأمر قد سبق في علم الله عز وجل، ونفذت فيه إرادته، وتقدمت فيه مشيئته.. وقد قال الله عز وجل:"من يهدِ الله فهو المهتدِ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشداً". وقال:" يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا". فأخبر تعالى أنه يضل ويهدي، وقال:"ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء"… وإذا كان الكفر مما أراده فقد فعله وقدره وأحدثه وأنشأه واخترعه، وقد بين ذلك بقوله تعالى:"أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون".[9]

   ويستعين الأشعري بعدد من الروايات التي تؤكد القدر المكتوب على الإنسان، وتنفي قدرته على الاختيار، فيقول:" روى معاوية بن عمرو، قال حدثنا زائدة، قال: حدثنا سليمان الأعمش ، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، قال: أخبرنا رسول الله (ص) وهو الصادق المصدوق:"إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك ، قال فيؤمر بأربع كلمات، يقال: اكتب أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، قال: فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها". [10]

  وينقل رواية أخرى عن رسول الله (ص) أنه قال:"ما منكم من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة" فقال رجل من القوم: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان من أهل السعادة يصير إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فيصير إلى الشقاوة. فقال (ص) اعملوا فكل ميسَّر، أما أهل الشقاوة فميسَّرون لعمل الشقاوة وأما أهل السعادة فميسَّرون لعمل السعادة".[11]

 

 

الجذور الأموية لفكرة القدر

  إن جذور فكرة القدر تعود الى الأمويين الذين لم يجدوا ما يبررون به اغتصابهم للسلطة، وإقناع الأمة المحرومة من ممارسة حقها في الشورى، سوى اللجوء إلى نظرية الجبر، والقول بأن الله ساق إليهم الخلافة بسابق علمه، قضاء وقدرا، أي انه كان يعلم منذ الأزل انهم سيستولون على الحكم، وعلم الله نافذ، فيكون الله هو الذي أعدهم لقيادة الأمة وحتم عليهم أن يقاتلوا على الخلافة وان يرتكبوا ما ارتكبوه من أعمال لأن ذلك جرى بسابق علمه. ولذلك كانوا يسمون أنفسهم "خلفاء الله". فقد كان معاوية بن أبي سفيان يبرر خروجه لقتال الإمام علي في صفين بقضاء الله.[12]  وكان يعتبر الملك عطية من الله. وقد عبر  عن هذه الفكرة عندما دخل الكوفة بعد صلحه مع الإمام الحسن، حيث قال لأهلها: "إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تفويض الوزارة والسلطنة

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 22:10 م

الفصل السابع:  تفويض الوزارة والسلطنة

 

     أدى الضعف الذاتي للنظام العباسي الناتج عن الصراع الداخلي واستخلاف أطفال أو شباب لاهين لا يهمهم سوى الشراب والغناء والانغماس في الملذات، وفقدان القوة باستيلاء الجيش على الحكام، واستيلاء الأمراء على الأطراف..كل ذلك أدى إلى فقدان العباسيين لسلطتهم المطلقة لصالح الوزراء وقادة الجيش، فظهر نمط جديد من أشكال الحكم ، هي صيغة وزارة التفويض أو إمارة الاستيلاء، بحيث لم يبق "للخلفاء" إلا موقع رمزي صوري لا حول لهم فيه ولا طول.

     وفي الوقت الذي كان الفقه السني يعطي شرعية مطلقة للخلفاء الذين استولوا على السلطة بالقوة والقهر والغلبة، أو ورثوها عن آبائهم بدون شورى ولا موافقة أهل العقد والحل أو رضا العامة، ويوجب على الأمة طاعتهم طاعة مطلقة حتى وإن جاروا وإن فسقوا أو انحرفوا عن الشريعة الإسلامية، فإن ذلك الفقه كان يعترف بالأمر الواقع ويعطي الشرعية لمن غلب على الخلفاء وسيطر عليهم واستبد بالأمر دونهم. وفي الوقت الذي كان ذلك الفقه يرفض أو يتردد في السماح للأمة بخلع الحكام الظلمة، فانه كان يبادر إلى إضفاء ثوب الشرعية على من يقوم بعزلهم وخلعهم حتى وإن كان الخليفة المعزول يتمتع بالصلاح والتقوى وحب الأمة ورضاها أو كان منتخبا منها. وذلك بعد أن أضحت فسلفة السلطة قائمة على القوة والقوة فقط، وتهميش الأبعاد الأخرى. 

   ومثلما اعتمد الخلفاء في فرض سلطتهم المطلقة على الناس على أساس القوة، فقد بدءوا يفقدونها عندما راحوا يفقدون القوة أمام صعود القوى العسكرية التي استعانوا بها في البداية لمواجهة الناس فإذا بها تنقلب عليهم وتأكل سلطتهم وصلاحياتهم المطلقة إلى حد وضع الخلفاء في أقفاص من حديد، والحجر عليهم والانقلاب عليهم وقتلهم وسلبهم كل نفوذ.

   وعندما كان "الخلفاء" يتنازلون عن سلطاتهم أو يفوضونها لمن يشاءون لم يكونوا بالطبع يسألون الأمة أو يستشيرون أهل الحل والعقد الذين لم يكن لهم أي وجود رسمي، وإنما كانوا يتصرفون بالسلطة وكأنها ملك شخصي لهم. فقد قام هارون الرشيد، عند توليه للسلطة، بتفويض الوزارة ليحي بن خالد البرمكي تفويضاً عاماً، وقال له:"قد قلدتك أمر الرعية، و أخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، و استعمل من رأيت، و اعزل من رأيت ، و أمضِ الأمور على ما ترى". ودفع إليه خاتمه. ثم فوض جعفرَ بن يحيى الأمورَ كلها الى أن قتله بصورة مفاجئة سنة 187.[1]

   وعندما تولى جعفر المقتدر الخلافة ، ولم يكن له من العمر سوى ثلاث عشرة سنة، قام بتفويض الخلافة إلى الوزير علي بن محمد بن الفرات.[2] وكذلك بادر أخوه القاهر بالله، بتفويض الوزارة إلى أبي علي بن مقلة. [3]

  وعندما استولى البويهيون على الدولة العباسية، قام  معز الدولة بالحجر على الخليفة المستكفي، ثم خلعه من الخلافة، وبايع المطيع بدلا منه.[4] ولم يحض هذا (الخليفة) من أمر الخلافة سوى بالخطبة يوم الجمعة. [5]وظل المطيع خليفة بالاسم فقط، إلى أن أجبر على الاستقالة لصالح ابنه الطائع عبد الكريم.[6]

   وقام الطائع بتتويج عضد الدولة البويهي وفوض إليه السلطة كاملة، قائلا:" قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله إلي من أمور الرعية في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها في جميع جهاتها سوى خاصتي وأسبابي، فتول ذلك".[7] وبعد وفاة عضد الدولة قام الطائع بتفويض فخر الدولة البويهي تفويضا كاملا، وجاء في عهده ما يلي:" هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم الطائع لله أمير المؤمنين إلى فخر الدولة… فقلده الصلاة وأعمال الحرب والمعاون والأحداث والخراج والأعشار والضياع والجهبذة والصدقات والجوالي وسائر وجه الجبايات والعرض والعطاء والنفقة في الأولياء والمظالم وأسواق الرقيق والغيار في دور الضرب والطرز والحسبة".[8]

  وفي الحقيقة لم يكن الطائع يملك من أسباب السلطة شيئا، وإنما كان يقوم بتفويض السلطنة الى من يمتلكها فعلا، ولذلك فلم يكن يسلم على نفسه ومنصبه الذي يعين فيه تعيينا من قبل البويهيين، حيث قام بهاء الدولة بإلقاء القبض عليه وإجبره على الاستقالة.[9] وعين مكانه القادر بالله، ليقوم هذا بتقليد بهاء الدولة كل الأمور السياسية فيما وراء بابه.[10]

  ولما تولى الخليفة العباسي القائم بأمر الله، كانت السلطة بيد جلال الدولة بن بهاء الدولة، فقام القائم بتفويض الأمر إليه.

 ولم يكن الأمر مقتصرا على البوهيين، فقد كان الحال مشابها مع السلاجقة الذين احتلوا بغداد في منتصف القرن الخامس الهجري، حيث استدعى (القائم) زعيمهم طغرلبك وفوضه تفويضا شاملا وقال له: "إن الخليفة قد ولاك جميع ما ولاه الله تعالى من بلاد".[11]

   وكان الخلفاء العباسيون يضطرون أحيانا إلى تفويض السلطة إلى أطفال من أبناء الأمراء الحاكمين، مثلما حدث مع الخليفة المقتدي الذي سلطن الطفل محمود بن ملكشاه السلجوقي، ولم يكن له من العمر سوى خمس سنين، وعندما خرج عليه أخوه بركياروق، وعزله، قام الخليفة أيضا بتقليده السلطنة بدون نقاش أو تردد.[12] وحدث نفس الشيء مع الخليفة المستظهر الذي قام بتقليد السلطنة إلى الطفل جلال الدولة بن بركياروق، إلى أن خرج عليه عمه محمد ، فقلده الخليفة السلطنة عوضا عنه.[13] 

   وهكذا كانت عملية التفويض من الخلفاء ، سواء بالوزارة أو السلطنة أو إمارة الأمراء (قيادة الجيش)، تتم بالرغم من إرادتهم، بل انهم كانوا يستمدون منصبهم بالخلافة من أولئك الأمراء والسلاطين الذين كانوا يقبضون على مقاليد القوة ويعينون من يشاءون من الخلفاء ويخلعون من يشاءون.

   وإذا كان العباسيون في العراق يحظون بدرجة من القوة أحيانا، فانهم لم يحظوا بأي قدر من السلطة في دولتهم الثانية في مصر، في ظل "المماليك" حيث لم يكن "الخلفاء" إلا رمزا اسميا أو غطاء لإضفاء الشرعية على حكم المماليك،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الطاعة المطلقة للإمام، وتحريم الثورة والخروج

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 22:08 م

الفصل السادس:  الطاعة المطلقة للإمام، وتحريم الثورة والخروج

 

    بعد تبني الفكر السياسي السني لنظرية السلطة المطلقة، كان لا بد ان يتبنى الوجه الآخر لها وهي الطاعة المطلقة من قبل الأمة للإمام بغض النظر عن التزام الإمام بالشريعة الإسلامية أو وفائه بشروط عقد الإمامة، وخاصة بعد القبول بطريقة الاستيلاء على السلطة بالقوة والقهر والغلبة. وكان ذلك -كما قلنا - بناء على تفسير مطلق لآية الطاعة :"يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم". النساء 59 .

   وشكل هذا الموقف السني انقلابا على الموقف الإسلامي الأول الرافض للطاعة المطلقة، والقائل بجواز الثورة والخروج عند انحراف الحاكم، وجاء معتمدا على أحاديث ضعيفة تخالف العقل والقرآن والأحاديث الصحيحة الثابتة. ولذلك فقد تمسك بعض فقهاء أهل السنة بالموقف النسبي، ورفضوا الطاعة المطلقة للحاكم الظالم الفاسق، ولكن موقفهم تضاءل أمام التيار العام الذي دعا للاستسلام للطغاة.

 

أ- الطاعة النسبية  

 

   يحفل التراث السني بروايات تنسجم مع الموقف الإسلامي الأول القاضي بالطاعة النسبية للحاكم كالحديث الذي أخرجه البخاري عن نافع عن عبد الله بن عمر عن النبي (ص) انه قال: "السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".[1] والحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله:" انه سيلي أمركم من بعدي رجال يطفئون السنة ويحدثون البدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، قال مسعود: كيف بي إذا أدركتهم؟ قال: ليس يا ابن أم عبد طاعة لمن عصى الله. قالها ثلاث مرات".[2] ونحوه ما رواه عبادة بن الصامت قال:" سيليكم أمراء بعدي، يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله".[3]  وهي روايات تؤكد موضوع الطاعة النسبية، وحق الأمة بخلع الإمام إذا ما انحرف عن العدل أو الالتزام بالشريعة الإسلامية.[4] وقد بنى أبو يعلى الفراء موقفه على أساس تلك الأحاديث وألغى حق الطاعة للإمام إذا أخل بحقوق الأمة وخرج عن شروط الإمامة، بحيث أدى الى جرح عدالته. [5] وأجاز الإمام الرازي للرعية عزل الإمام، وليس العلماء فحسب، إذا أقدم على المحظور.[6] وأوجب ابن حزم قيام الأمة بعزل الإمام بالقوة، وعدم جواز طاعته إذا ما خالف الشرع. وعدَّ الأئمة الثلاثة أبا حنيفة ومالكا والشافعي بأنهم ممن يرى سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإنكار منكرات الأئمة الظلمة. [7] وقال الحافظ ابن حجر:"إن الخروج بالسيف على أئمة الجور مذهب للسلف قديم".[8] وذهب أبو بكر الجصاص والقاضي البيضاوي الى اشتراط التزام الأئمة بالعدل والصلاح، وعدم صلاحية الفاسق للإمامة.[9]

  وفي الحقيقة إن كثيرا من الفقهاء السنة كانوا يؤمنون بضرورة الطاعة النسبية للإمام، ويقولون بوجوب عزل الإمام المنحرف، ولكنهم لم يكونوا يملكون الآلية السليمة لتنفيذ هذا القرار، ولذلك كانوا يضطرون للتراجع عن رأيهم الأول أمام ضغط الواقع والخوف من الفتنة. كما فعل ابن حزم الأندلسي الذي نصح بالتريث وعدم المبادرة إلى خلع الإمام الظالم الفاسق بسرعة قبل التمكن من إزالة ظلمه، وإقامة الحد عليه. [10]  وكما فعل القاضي عبد الرحمن الإيجي الذي أعطى للأمة حق خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه، كما كان لهم نصبه وإقامته، ولكنه دعا لاحتمال أدنى المضرتين، إذا تسبب الخلع في فتنة.[11]  

    وكان إمام الحرمين الجويني يشترط العدالة والتقوى والورع في الإمام.[12] ويؤكد حق الأمة في خلع الإمام الفاسق وانخلاعه.[13] ولكنه يقف عاجزا أمام تعنت الإمام الفاسق، فيقترح استبداله إذا كان في ذلك مصلحة وعليه قدرة. حيث يعترف بواقع فسق كثير من الأئمة وعدم القدرة أو المصلحة على استبدالهم كل يوم و"استحالة استمرار مقاصد الإمامة مع المصير إلى أن الفسق يوجب انخلاع الإمام على الإطلاق" ويتأرجح بين التمسك بقرار العزل الذي قد يكلف كثيرا من الدماء، وبين التسليم للأمر الواقع الذي يناقض الهدف من دور الإمام وهو خلافة الله في الأرض وإقامة الشرع والحق والعدل، فيحاول القياس والترجيح ببعض المرجحات، ويفرق بين اشتراط العدالة في بدء تعيين الامام، وبين انحرافه في المستقبل. كما يفرق بين الذنوب الشخصية والأخطاء السياسية الكبرى .[14] وكذلك يفرق بين ارتكاب الإمام للهنات والصغائر ، وبين التمادي في الفسوق والعصيان والعدوان وظهور الفساد وتعطل الحقوق والحدود، ووضوح الخيانة وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور ، وتعطيل الثغور، وما الى ذلك، فيوجب الخلع والانخلاع في الحالة الثانية فقط.[15] ويستعين ببعض الأخبار التي تؤيد التسامح مع الأئمة الفساق.[16]

   ونظراً لغياب دور أهل الحل والعقد أو المؤسسات الدستورية والقضائية التي تقوم بالتغيير ، يقترح الجويني تعيين إمام جديد في مقابل الإمام الظالم الفاسق، إذا أمكن تجنب الدماء.[17]

 

   ورغم تحدث الماوردي عن اشتراط الطاعة للإمام بقيامه بحقوق الأمة، وعدم تغير حاله بالفسق الذي يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، وقوله بخروج الفاسق من الإمامة وعدم عودته اليها إذا تاب إلا بعقد جديد.[18] فانه يَعتبِر "وليَ الأمر الإمامَ المتأمرَ مفوضاً إليه من الشرع، ومفروضاً من الله، سواء كان براً أو فاجراً".[19]

 

  ب - الطاعة المطلقة

 

   لقد تغير الموقف الإسلامي الأول، الذي كان يلتزم به الصحابة والتابعون والسلف الأول، مع تفشي الأحاديث (الضعيفة أو الموضوعة) التي تدعو الى طاعة الإمام بصورة مطلقة، إلا في حالة كفر الإمام البواح.  وهذه بعضها :

  -  عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ عن رسول الله (ص) أنه ‏قال:" ‏من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية ومن خرج من أمتي يضرب برها وفاجرها لا ‏ ‏يتحاشى  ‏من مؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس من أمتي".

   -  وعن أبى هريرة عن النبي (ص) انه قال:"إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء وكلما هلك نبي خلفه نبي، وانه لا نبي بعدي، وانه سيكون خلفاء فتكثر ، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فُوا لهم ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم الذي جعل الله لهم ، فان الله سائلهم عما استرعاهم".[20]

 - وعن أبى هريرة: أن رسول الله (ص) قال:" الجهاد واجب مع كل أمير براً كان أو فاجراً".[21]

 - وعن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول:"تفرقت بنو إسرائيل على سبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسايرها في النار. فقلت ولتزيد هذه الأمة عليهم واحدة، فواحدة في الجنة وسايرها في النار، فقلت: فما تأمرني؟ قال: عليك بالسواد الأعظم، قال فقلت: في السواد الأعظم ما قد ترى، قال:السمع والطاعة خير من الفرقة والمعصية".[22]

  - وعن عبادة بن الصامت: قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله.

   - وعن عبد الله بن عمر عن النبي انه قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".

  - وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله (ص):"إنها ستكون بعدي أثرة، وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم".

  - وعنه  (ص) : انه سيكون عليكم أئمة تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد بريء، ومن كره فد سلم، ولكن من رضي وتابع، فقيل : يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا.

  - وعن حذيفة اليمان: قال قلت: يا رسول الله، إنا كنا بشرٍ فجاء الله بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟قال : نعم، قلت: هل من وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم، قلت : هل وراء ذلك الخير شر؟ قال نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان انس. قلت: كيف اصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع.

   - وعن عوف بن مالك الأشجعي، قال: سمعت النبي (ص) يقول: خياركم أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله تعالى ولا ينزعن يدا من طاعة.

  - وعن وائل بن حجر قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله فقال: يا رسول الله إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض، ثم سأله في الثانية أو الثالثة ، فقال :"اسمعوا وأطيعوا ، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم".[23] 

 

  وقد روى الكثير من هذه الأحاديث البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجة وأبو داود. وبناءً عليها قال الإمام أحمد بوجوب السمع والطاعة لـ"أمير المؤمنين البر والفاجـر ومن ولي الخلافة، واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن تغلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّي أميرُ المؤمنين" واعتبر ذلك ركناً من أركان "السنة والجماعة". وقال:"من خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلاقة، بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج غليه لأجد من الناس. فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق".[24]

   وقد رفض الإمام أحمد الخروج على الخلفاء العباسيين المعتزلة (المأمون والمعتصم والواثق) الذين كانوا يضطهدون أهل الحديث، ويقولون بخلق القرآن ، مما كان يعده أحمد كفراً.[25] وأوصى فقهاء بغداد، الذين اجتمعوا اليه وشكوا تفاقم الحال من القتل والتعذيب، بعدم الخروج أو شق عصا المسلمين، والاكتفاء بالاستنكار بالقلب.[26]  

   وكان أحمد قد ورث ذلك الموقف السياسي من عدد من أئمة أهل الحديث السابقين كسفيان الثوري.[27] وشيخه علي بن المديني.[28]

   ولم يكتفِ أئمة أهل السنة باتخاذ موقف الطاعة المطلقة من الحكام الظلمة، وإنما أضفوا عليه ثوبا شرعيا، ورفعوه الى مستوى المسائل العقدية، الفارقة بين السنة والبدعة، وقد تبعهم في ذلك فقهاء آخرون. منهم الامام  أبو الحسن الأشعري (260-324هـ) بعد تخليه عن الاعتزال واقترابه من السنة (أهل الحديث) حيث وقف في طليعة المتكلمين القائلين بالطاعة المطلقة، وأعلن يوم تحوله في مسجد البصرة:"نرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين بإنكار الخروج بالسيف وترك القتال في الفتنة".[29] 

  ومنهم الإمام أبو جعفر الطحاوي (239-321هـ) الحنفي الذي اقترب من المذهب السني (الحنبلي) ، ثم أضفى على مسألة الطاعة المطلقة طابع العقيدة ، بقوله:"لا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمرنا، وإن جاروا، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة". ومع انه استثنى من ذلك الأمر بالمعصية فقط، إلا انه أضاف:"وندعو لهم بالصلاح والمعافاة … فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً، ونحن برءاء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه… ونتبع السنة والجماعة، ونتجنب الشذوذ والخلاف والفرقة، والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما".[30]

   وقد اعتبر الطحاوي الخروج  على الحاكم الظالم، نوعا من  مخالفة الجماعة، و"من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".[31]  ثم جاء ابن أبي العز الحنفي وشرح "العقيدة الطحاوية" وعززها بمزيد من الروايات التي  توجب "السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة".[32] رغم أن الطاعة في المعروف للحاكم الظالم تعزز من سيطرته وتؤدي الى مزيد من الظلم.

   ومع مرور الزمن وانتشار المذهب السني تكرس هذا الاتجاه السلبي ، فقال أبو بكر احمد بن إبراهيم الإسماعيلي ( 277- 361): إن أئمة أهل الحديث لا يرون الخروج على أئمة الجور بالسيف ولا قتال الفتنة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل.[33] واتخذ أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم ، وأبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر ، وأبو بكر الخلال موقفا مماثلاً وقالوا:"لا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يداً من طاعة، ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة".[34] وقال إمام أهل السنة في القرن الرابع، البربهاري:"ليس في السنة قتال السلطان، فان فيه فساد الدنيا والدين، ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي، وقد شق عصا المسلمين، وخالف الآثار ، وميتته ميتة جاهلية".[35] وقال القاضي عياض :إن رأي "جمهور أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أن الإمام لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نشوء السلطة المطلقة

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 22:06 م

الفصل الخامس : نشوء السلطة المطلقة

 

   مع تبني الفكر السياسي السني لنظرية القهر والغلبة، وجواز الاستيلاء على السلطة بالقوة، وجواز العهد والاستخلاف بعيدا عن إرادة الأمة أو رضا أهل العقد والحل، وتقليص عدد أهل الحل والعقد الى أصغر رقم، وتهميش دورهم، كان لا بد أن يفتح الباب أمام قيام ديكتاتورية مطلقة، لا مكان فيها للشورى مع الحاكم المستبد المطلق، والاقتراب عمليا من القول بعصمة الإمام، ووجوب طاعته في كل شيء.

   فقد واكب الفقهاء والمتكلمون السنة ، الواقعَ السياسي الذي كان يتجه نحو الديكتاتورية الشاملة، وقاموا بتضخيم دور الإمام ومنحه صلاحيات واسعة، في مقابل سلب كل دور للأمة في صنع القرار أو إدارة عجلة الدولة، لاسيما بعد تحول الخلافة في العصر العباسي الى مسألة دينية ، حيث قام الفقهاء  والمحدثون باستيراد أحاديث من تجربة الرسول السياسية وتركيبها على نظام الخلافة ، بالرغم من عدم التزام كثير من الخلفاء بالشريعة الإسلامية، أو استيلائهم على السلطة بطرق غير شرعية، كالحديث الذي رواه البخاري عن أبى هريرة عن النبي (ص): أنه قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني).

  وعلى رغم وجود تفاسير عديدة لآية الطاعة:"يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" بأن المقصود من أولي الأمر: العلماء، أو الأمراء، أو خصوص الأمراء الذين كان يعينهم الرسول الأكرم في حياته.[1] وأن الطاعة لأولي الأمر هي في حدود الكتاب والسنة، ومشروطة بالعدل والتقوى، فان الفقهاء السنة حددوا المعنى بالأمراء، ومنحوهم سلطة مطلقة في الإدارة والتنفيذ والتشريع والقضاء وإعلان الحرب والسلم، بغض النظر عن التزامهم بالعدل أو الشورى. وقال الماوردي:"إذا استقرت الخلافة لمن تقلدها إما بعهد أو اختيار… فعلى كافة الأمة تفويض الأمور العامة اليه من غير افتيات عليه ولا معارضة له ليقوم بما وكل اليه من وجوه المصالح وتدبير الأعمال".[2] وكذلك قال الكمال بن الهمام في (المسايرة في شرح المسايرة):"للإمام استحقاق تصرف عام على المسلمين".[3]  (راجع أيضا  القرافي في (الأحكام) ص93)

   وبناء على ذلك اعتبر مؤسس حزب التحرير تقي الدين النبهاني:"رئيس الدولة هو الدولة" وأنه يملك جميع الصلاحيات التي تكون للدولة.[4] وأعطاه حق سن الدستور والقوانين، وأوجب طاعته ظاهرا وباطنا على كل فرد من الرعية.[5] وقال الدكتور محمود الخالدي:"الخليفة هو رئيس الجهاز السياسي والتشريعي والقضائي، وبيده مقاليد كل شيء. وهو صاحب الحق في عزل القاضي كما له الحق في التولية، والشورى غير ملزمة له".[6]   

   وكانت نظرية الإطلاق في صلاحيات الإمام تقوم على أمرين هما: الدمج بين السلطات وفردية القرار، حسبما كان معمولاً به في التجارب التاريخية منذ عهد الراشدين والى نهاية العهد العثماني. وقد اتخذ الفكر السياسي السني من ممارسات الخلفاء السابقين المطلقة أساسا قويا لإدعاء (الإجماع) والانطلاق منه للتنظير لشرعية الإطلاق في ممارسة السلطة ومنح الخلفاء صلاحيات واسعة في مختلف المجالات التشريعية والتنفيذية والقضائية.[7]   

 

  وقد أغفل الفقهاء السنة هنا كون السلطة منبثقة أساساً من الأمة، وأنها صاحبة السلطان الحقيقي، وأن الخلفاء نوابها ووكلاؤها. وبالتالي فان للأمة الحق في تحديد السلطة أو تقسيمها، أو تفويضها لهم بشروط. وانساق الفقهاء مع قوانين الطوارئ التي سنها الحكام في أجواء التنافس على السلطة بين الأحزاب والقبائل والشعوب والطوائف، وادعوا (الإجماع) على نموذج الحكم المطلق.[8]

 

  ورغم وجود خلفاء أو رؤساء في الدول الإسلامية لا يلتزمون بالشرع الحنيف، ويشربون الخمرة ويسفكون الدم الحرام، ويتبعون الهوى؛ فقد ساوى الفكر السياسي السني بين أولئك الحكام وبين الرسول الأكرم المعصوم الذي كان ينزل عليه الوحي، وجعل كلامهم وقرارهم بمثابة قرار الرسول، وأوجب على الأمة طاعتهم كطاعة الرسول. وقال: إن الحكم الذي يتبناه الخليفة هو حكم الله المتعلق في حق جميع المسلمين.[9]   

   وقام الفكر السياسي السني بإلغاء دور الشورى، في عملية اتخاذ الامام للقرارات، حيث مال عموما – ما عدا بعض الفقهاء - الى القول بأن الشورى مستحبة ومعلمة وليست ملزمة للإمام، حتى لو كان مجيئه للسلطة بغير شورى أو انتخاب من الأمة ، وإنما عن طريق القهر والغلبة، أو العهد من الإمام السابق. وذلك انطلاقا من المساواة بين الإمام، أي إمام، وبين النبي الأكرم الذي يأمره الله تعالى بالشورى في قوله (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله). وذلك بعد تفسير الآية بعدم إلزامية الشورى للرسول، وبحقه وحريته في التصرف خلافا لرأي جماعة الشورى، والتوكل على الله إذا ما عزم على رأي خاص به. وكذلك عدم الزاميتها  للامام، مما يجيز للأمام، أي إمام، أن يستعلي على الشورى ويستبد برأيه في مقابل الأمة، حتى مع وجود شبهة الفسق والجهل والهوى والخيانة في الإمام.

  وفي معرض تبريره لرفض إلزامية الشورى للإمام، يتساءل الدكتور عبد الله الدميجي:"كيف يأمرنا الله بطاعة الخليفة، وتقضي الشورى بمخالفته؟".[10]  ويقول:"إن الكثرة ليست مناطا للصواب ولا دليلا قاطعا أو راجحا عليه، إذ أن صواب الرأي أو خطأه يستمدان من ذات الرأي لا من كثرة أو قلة القائلين. فالإسلام لا يجعل  كثرة العدد ميزانا للحق والباطل كما تفعله الديموقراطيات الحديثة، ومبدأ الأكثرية هذا مبدأ غير إسلامي".[11] ويضيف:" على الإمام أن يعمل رأيه ثم يعزم على ما يؤديه اليه اجتهاده، وينبغي له في مثل هذا الحال أن يستنير بآراء العلماء وذوي الخبرة ويستشيرهم… ولا بأس أن يجعل المرجح هو رأي الأغلبية، أما إذا أصر على رأيه فعلى الرعية الطاعة والانقياد له في غير معصية".[12]

   ومع أن رأي الإمام لا يتمتع دائما بدليل قوي، ومن ثم لا ينطبق مع الشرع أحياناً، فان بعض المفكرين والفقهاء السنة يرفضون اللجوء الى إرادة الشعب، أو رأي الأغلبية، بحجة أن السيادة في الحياة الإسلامية للشرع وليست للشعب، وبالتالي فانه لا يلزم الإمام التقيد بالشورى. ويعطونه  الحق المطلق في تنفيذ القوانين التي يسنها. ويستشهدون على ذلك بموقف أبى بكر عند عزمه على قتال المرتدين، واعتراض عمر والصحابة عليه ثم خضوعهم له.[13]

 

 تبني المذاهب

 

   وفي إطار الصلاحيات المطلقة التي أعطاها الفكر السياسي السني للإمام، سمح له بفرض اجتهاداته وآرائه السياسية والفلسفية والكلامية والتاريخية والفقهية على الأمة، أو تبني المدارس المذهبية المختلفة وفرضها على الأمة ، بدل أن يترك للعلماء والجماهير حرية التفكير والانتقاء والالتزام بما يشاءون من نظريات وأفكار. وهو ما خلق حالة من الاستبداد الثقافي والديكتاتورية الفكرية، وقضى على الحوار العلمي الهادئ.

   فقد ذهب أبو علي (الجبائي المعتزلي) الى : أن للامام أن يجمع الناس على شيء من الدين من دون الحاجة الى أخذ رضاهم، وأن الامام إذا فعل شيئاً صار كأنه فعله عليه السلا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شرط القرشية

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 22:01 م

الفصل الرابع : شرط القرشية

 

  بعد حدوث الانقلاب السياسي ضد الخلافة، وتحول الحكم الى نظام عسكري وراثي يقوم على العهد والاستخلاف،وإلغاء إرادة الأمة عبر تهميش أهل الحل والعقد، كان لا بد أن تصبح العصبية القبلية (القرشية) أساس الحكم، والشرط الأهم للخلافة، حتى لا يطمع فيها طامع من عامة الناس. 

  وهنا قام الفكر السياسي السني بحصر السلطة في قبيلة معينة واشتراط القرشية في الإمام، استنادا الى أحاديث ضعيفة منسوبة الى الرسول الأعظم (ص). فقد روى البخاري عن معاوية  أنه سمع النبي يقول: "إن هذا الأمر في قريش".[1] وروى هو ومسلم  عن عبد الله بن عمر أن  النبي (ص) قال:"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان".[2] وروى أحمد في مسنده: أن النبي قال:"الأئمة من قريش ما حكموا فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا".[3] وأخرج الترمذي: عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) قال:"الملك في قريش والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة". وروى عن عمرو بن العاص:"قريش ولاة الناس في الخير والشر الى يوم القيامة".[4] وهو ما أخرجه البزاز عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله: "الأمراء من قريش، أبرارها أمراء أبرارها، وفجارها أمراء فجارها".[5] وروى القاضي الهمداني عن النبي (ص) أنه قال: إن "هذا الأمر لا يصلح إلا في هذا الحي من قريش" و"قدموا قريشاً ولا تقدموها". [6]

 

  واستند الفقهاء السنة أيضا إلى قول أبي بكر يوم السقيفة:"إن هذا الأمر لا تدين العرب فيه إلا لهذا الحي من قريش". الذي رووه بعدة صيغ. فقد روى أبو الحسن الأشعري قصة السقيفة وعزا سبب انصراف الأنصار عن زعيمهم سعد بن عبادة، وانقيادهم لأبي بكر الى حديث رواه عن النبي (ص)  أن "الإمامة في قريش".[7] وادعى ابن حزم وجود التواتر على هذه الرواية.[8] بينما قال الهمداني إن الحديث "خارج من باب خبر الواحد الى الكثرة".[9] في حين اعتبر الشهرستاني القول بنفي القرشية بدعة لا يقربها السلف.[10] 

   وبالإضافة الى ادعاء التواتر على حديث القرشية، ادعى الفقهاء السنة حصول الإجماع حول الموضوع.[11]

   وبناء على ذلك قال أحمد بن حنبل: "الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم ولا يخرج عليهم، ولا نقر لغيرهم بها الى قيام الساعة".[12] وقال ابن حزم الأندلسي:" لا تحل الخلافة إلا لرجل من قريش صليبة".[13]

  وقد تضخم شرط القرشية في فترة لاحقة، حتى أصبح لدى كثير من الفقهاء الشرط الأول لقيام الخلافة، بغض النظر عن صفة الشورى أو العدل.[14]حتى قال الامام أبو حامد الغزالي إنه "لم يرد النص من شرائط الإمامة في شيء إلا في النسب".[15] وذهب النووي بعيدا في اشتراط القرشية، فأوجب البحث عن كناني، إذا لم يوجد قرشي مستجمع الشروط، وإلا فرجل من ولد إسماعيل.[16]  

 

نفي التواتر

   وليس من الواضح كيف قال علماء أهل السنة بالإجماع حول شرط القرشية، وهم يروون في كتبهم (البخاري ومسند أحمد وغيرهما) أن عمر قال:"إن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة، استخلفت معاذ بن جبل". ومعاذ لا نسب له في قريش؟ وكيف عملوا بتلك الروايات الضعيفة المناقضة للقرآن الكريم الذي يقول "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" أو الأحاديث الصحيحة مثل "إن الله أذهب عنكم عصبية الجاهلية وفخرها بالآباء، أنتم بنو آدم وآدم من تراب" وأحاديث أخرى.[17]      ولذلك فقد شكك ابن حجر، في دعوى الإجماع.[18] ونفاه الجويني.[19] وأسقط ابن العربي شرط القرشية تماماً. وذهب التفتازاني والكمال ابن أبي شريف (من فقهاء الحنفية) الى إمكانية تعيين غير القرشي في حالة الضرورة، والحكم بصحة ولايته .[20] 

   وبعد سقوط الخلافة العباسية وانحلال العصبية القرشية، تجرأ الفقهاء الأحناف على تبني رأي إمامهم أبي حنيفة، فظهر في الشام نجم الدين إبراهيم بن علي الحنفي الطرسوسي (720هـ – 758هـ) ليتجاوز حديث "الأئمة من قريش" من دون ضرورة، اعتمادا على فتوى أبي حنيفة وحديث آخر للنبي (ص)يقول:"أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة ، وإن تأمر عليكم عبد حبشي".[21] ودعا بصراحة الى الإقرار بشرعية الحكام غير العرب، وحاول إقناع السلاطين الأتراك بتبني المذهب الحنفي لأنه لا يشترط القرشية.[22]  

 

   ورغم تسرب السلطة من أيدي الخلفاء العباسيين، وسيطرة الملوك والسلاطين الأتراك والفرس (البويهيين) والسلاجقة و"المماليك" عليهم [23] كما في العهد العباسي الثاني في بغداد، وفي الدولة العباسية الثانية في مصر، فإن الفكر السياسي السني ظل مصراً على شرط القرشية في الامام، في ظاهرة غريبة وفريدة من تناقض الفكر السياسي مع الواقع.[24]

 



[1]  - البخاري ج5 ص13  

[2]  - البخاري ج 5 ص 13 و مسلم – كتاب الإمارة – باب الناس تبع لقريش، ص 480

[3]  - أخرجه الامام أحمد وأبو يعلي في مسنديهما والطبراني. السيوطي ،  تاريخ الخلفاء، ص 10

[4]  - سنن الترمذي كتاب الفتن – باب ما جاء أن الخلفاء من قريش الى ان تقوم الساعة 4/503  وهذا الحديث يناقض ما أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني والبزاز عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (ص) :"أسرع الناس فناء قريش". إسماعيل، يحيى، منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ص 276

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العهد والاستخلاف

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 22:00 م

الفصل الثالث : العهد والاستخلاف

 

   بعد الاعتراف بشرعية الاستيلاء على السلطة بالقوة، وتفريغ دور أهل الحل والعقد من مضمونه الحقيقي، تم تسديد ضربة قاصمة لمبدأ الشورى بإضفاء الشرعية على قانون العهد والنظام الوراثي، الذي حول الخلافة الإسلامية الى هرقلية وكسروية. وقد استند الفقهاء والمتكلمون السنة في فتواهم بجواز العهد، الى تجربة الخلفاء الراشدين، وقيام أبي بكر بالعهد الى عمر بن الخطاب، وقيام معاوية بالعهد الى يزيد، وكذلك فعل بقية الخلفاء الأمويين والعباسيين، معتبرين ذلك سابقة دستورية حظيت بالإجماع من المسلمين يجوز تكرارها في أي وقت. ورغم معارضة العهد لمبدأ سلطان الأمة على نفسها وحقها في انتخاب من تشاء، إلا أن الفقهاء اعتبروا العهد من السابق الى اللاحق جزء من صلاحية الامام وحقوقه الواسعة  بغض النظر عن طريقة وصوله الى السلطة.

  وفي الوقت الذي يفتقد الفقهاء السنة أي دليل شرعي من الكتاب أو السنة في قولهم بجواز العهد؛ فانهم يعتمدون على إجماع الصحابة، الذي يشكل لديهم مصدراً من مصادر التشريع. وقد حكى هذا "الإجماع" كثير من العلماء فقال الماوردي:"أما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته" و "جاز أن ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد اليه، وان لم يستشر فيه أحداً من أهل الاختيار" واستشهد بعهد أبي بكر الى عمر ، وبعهد عمر الى أهل الشورى الستة. ثم ذكر اختلاف العلماء حول شرط الرضا المسبق في لزوم البيعة "لأنها حق يتعلق بهم فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم". وقال بضرس قاطع:"الصحيح: إن بيعته منعقدة، وإن الرضا بها غير معتبر، لأن بيعة عمر لم تتوقف على رضا الصحابة، ولأن الامام أحق بها فكان اختياره فيها أمضى، وقوله فيها أنفذ".[1]

   وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم:" إن المسلمين أجمعوا على الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت، وقبل ذلك، يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه".  

   وقال إمام الحرمين الجويني:إن"أصل تولية العهد ثابت قطعاً مستندٌ الى إجماع حملة الشريعة، فان أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عهد الى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ولاه الإمامة بعده، لم يُبدِ أحد من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم نكيراً، ثم اعتقد كافة علماء الدين تولية العهد مسلكا في إثبات الإمامة في حق المعهود اليه المولَّى، ولم ينفِ أحد أصلها، وإن كان من تردد وتلبد ففي صفة المولِّي أو المولَّى، فأما أصل العهد فثابت باتفاق أهل الحل والعقد…فالمقطوع به أصل التولية: فانه معتضد متأيد بالإطباق والوفاق والإجماع الواجب الاتباع، وفي الإجماع بلاغ في روم القطع وإقناع… فإذا كانت الإمامة تنعقد باختيار واحد أو جمع من المختارين كما سبق تفصيله، فالامام .. أولى بأن ينفذ توليته ويعمل خيرته".[2]

    وقال ابن حزم:" واتفقوا أن للامام أن يستخلف.. ولم يختلف في جواز ذلك لأبي بكر عنه أحد، وإجماعهم هو الإجماع". واعتبر هذه الطريقة أحسن الطرق وأفضلها "كما فعل رسول الله بأبي بكر، وكما فعل أبو بكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز". وقال:"هذا الوجه الذي نختاره ونكره غيره … وليس عندنا في هذا الوجه إلا التسليم لما أجمع عليه المسلمون حينئذ".[3]

   وإذا كان ابن حزم يقول بجواز الاستيلاء على السلطة بالقوة، وبعقد الإمامة من واحد لواحد، فقد كان من الطبيعي أن يقول بشرعية العهد من الامام السابق للاحق.[4]

   واختلف الفقهاء حول اشتراط حصول الرضا من جماعة المسلمين على المعهود اليه، أو عدم ذلك؟ فقال معظمهم بانعقاد الإمامة بالعهد، بغض النظر عن رضا جماعة المسلمين. وقد بنوا موقفهم هذا على أساس "الإجماع" والقول بجواز عقد الإمامة برجل واحد، فكيف إذا كان هو الامام. وقال الباقلاني:"إن العهد تم بمحضر من الصحابة والمسلمين، فأقروه جميعا وصوبوا رأيه، ولو كان ذلك خطأ في الدين لراجعوه فيه. والدليل على ذلك أن المراجعة انصرفت الى صفة من يعهد اليه بقول القائل (أتولي علينا فظا غليظا؟) ولم تكن منصبة على صحة العهد نفسه. فهم يجمعون على صحة العهد من الامام الى غيره، فالعهد ليس إذاً خطأ في الدين، لأن الأمة لن تجتمع في عصر الصحابة ولا في غيره من العصور على خطأ".[5]

 وقد دافع القاضي الهمداني عن هذا الرأي فقال:"إن إمامة عمر صحت بتفويض أبي بكر اليه، وإن ذلك أحد الوجوه التي بها يصير الامام إماما، وإنه إن لم يزد في القوة على اختيار الخمسة لم ينقص عنه… وإن ذلك لا يتعلق برضا جماعة من المسلمين".[6] وأشار الى قول أبي بكر عند عهده الى عمر: "استخلفت عليكم خيركم في نفسي، فكلكم ورم انفه من ذلك" الذي يدل على عدم رضا الصحابة به.  وقال:"لو كان أبو بكر ولاه من غير جمع ورضا، لا يمتنع أن يصير إماما ويلزم الناس الرضا به، فمن يكره إمامته يصير عاصيا".[7] واستشهد بالإجماع المتأخر الذي حصل على الرضا بإمامة عمر، و"إن إجماعهم على ذلك يكشف عن صحة الطريق الذي صار به إماما".[8]  واختار الماوردي عدم الحاجة الى رضا أهل الاختيار في لزوم العهد للأمة. [9]  واحتج النووي بالإجماع على جواز العهد، وعدم اشتراط رضا المسلمين.[10] كما رفض الجويني اشتراط رضا الأمة في تولية المعهود اليه، وقال:"إذا ولّى الامام ذا عهد ، فهل يتوقف تنفيذ عهده على رضا أهل الاختيار في حياته أو من بعده؟ ذكر بعض المصنفين في اشتراط ذلك خلافا، والذي يجب القطع به أن ذلك لا يشترط، فإنا على اضطرار نعلم أن أبا بكر رضي الله عنه لما ولى عمر لم يعدم (لم يقدم) على توليته مراجعة واستشارة ومطالعة، وإذا  مضى فيه ما حاوله لم يسترض أحدا من أهل الاختيار ، على توافر المهاجرين والأنصار. نعم روي أن طلحة رضي الله عنه قال لأبي بكر: لقد استخلفت علينا فظا غليظا، فقال أبو بكر، وهو يجود بنفسه: أجلسوني، فأجلس رضوان الله عليه، وقال: لئن سألني ربي عن تفويضي أمور المسلمين الى عمر لأقولنَّ: استخلفت على أهلك خير أهلك".[11]

  ولم يكتفِ القلقشندي ، باعتبار العهد طريقا من طرق انعقاد الإمامة، وعدم اشتراط رضا الأمة، وإنما أضاف الى ذلك جواز إكراه المعهود اليه، وذكر أن عمر رفض أن يقبل عهد أبي بكر فتهدده بالسيف!.[12]

 

  وفي الحقيقة لم يعترض على العهد إلا أنصار الشورى من أوائل المعتزلة، الذين قرءوا عملية العهد من أبي بكر الى عمر بشكل مختلف وقالوا إنه لم يقع إلا بعد رضا الأمة.[13] ونسب الشوكاني هذا القول الى الأشاعرة أيضا.[14] وربما كان يقصد أوائلهم المتأثرين بسلفهم المعتزلة، قبل أن ينخرطوا في تيار أهل السنة السياسي. كما رفض أبو يعلى الفراء (الحنبلي) انعقاد الإمامة بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين. [15] وهو ما ذهب اليه ابن تيمية،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أهل العقد والحل

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 21:58 م

الفصل الثاني:  أهل العقد والحل

 

    بعد اتجاه الفكر السياسي السني العام، في ظل الدولة العباسية، إلى الإقرار بشرعية الحكم على أساس القهر والغلبة، جرى تفريغ ما تبقى من شعار الشورى من محتواه، وذلك بتحويل عملية انتخاب الإمام عبر أهل الحل والعقد، إلى عملية مسرحية هزيلة، لا تعبر عن حقيقة إرادة الغالبية من الأمة ، وإنما فقط عن إرادة الحاكم المتغلب. ونظراً لعدم وجود نصوص شرعية حول الموضوع، فقد تم اللجوء الى (الإجماع) وبما أن التجارب التاريخية في عمليات انتخاب الامام، بما فيها تجربة الخلفاء الراشدين، كانت قد تمت بعدد محدود، فقد استنبط الفقهاء عدم الحاجة لإجماع أهل الحل والعقد فضلا عن إجماع المسلمين على انتخاب الامام، واكتفوا بالواحد أو الأثنين أو العدد القليل.

   لقد كان مهماً في عملية الشورى أن يمثل أهل الحل والعقد أكبر شريحة من الأمة، باعتبار الإمام نائباً ووكيلاً عن الأمة. لا سيما وان المسألة عرفية سياسية وعقلية، وتتعلق بمصالح الأمة. وإذا كانت العملية في بدء الإسلام محصورة بالمهاجرين والأنصار، فان انقراض ذلك العصر كان يقتضي تشكيل مجلس للشورى يمثل مختلف المدن والقبائل والشعوب الإسلامية، يجتمع بصورة دائمة وليس بصورة طارئة وسريعة، لبحث مشاكل الأمة السياسية والقيام بدور الرقابة والمحاسبة، واختيار الإمام الجديد، بدلا من ترك الأمور لمنطق القوة والغلبة والصراع على السلطة. ولكن شيئا من هذا لم يحدث، وإنما جرى تقليص عدد أهل الحل والعقد، وتهميشهم، وتعيينهم من قبل الحاكم لضمان استمرار السلطة في ذريته وأهله وعشيرته. وعندما كان الحاكم ، أي حاكم، يتعرض إلى ضغط قوة عسكرية داخلية، كانت دائرة أهل الحل والعقد تتغير لتشمل القوى الجديدة التي تلعب دوراً مهماً في عملية اختيار الإمام الجديد أو خلع الإمام السابق وتعيين بديل عنه. وعادة ما كان قائد الجيش يصبح أقوى رجل في أهل الحل والعقد، أو هو الوحيد الذي بيده الحل والعقد والقوة الحقيقية المهيمنة على العملية السياسية، وإن كان يتظاهر أحيانا بالاختباء وراء شخصيات متعددة مثل الوزير وقاضي القضاة وما إلى ذلك.

   وباستثناء هيئة الشورى الستة الذين عينهم عمر بن الخطاب، وقاموا بالتداول فيما بينهم لمدة ثلاثة أيام ثم اختاروا عثمان، فإنا لم نشهد عبر التاريخ مجلسا للشورى، يمارس نفس الدور ويتمتع بذات الصلاحية، ويقوم بنفسه باختيار "الخليفة" ولا يكون صدى لغيره، ولا أداة بيد رجل قوي يفرض مرشحه ويجبر الآخرين على التوقيع والمباركة والاتباع.

    ومع  أهمية الشورى (أهل الحل والعقد) فانها كانت تأتي دائما بعد العهد ، في المرتبة، لدى معظم الفقهاء الدستوريين، فإذا كان هنالك عهد فلا شورى ولا دور لأهل الحل والعقد.[1]

  وقد اختلف الفقهاء السنة حول عدد أهل الحل والعقد، فقال بعضهم بضرورة  تحقق الإجماع أو رضا غالبية الأمة، وقال الأكثر بعدم اشتراط ذلك والاكتفاء بالواحد أو بالعدد الصغير. وكان من الذين اشترطوا (الإجماع) في عملية انعقاد الإمامة باختيار أهل الحل والعقد، أبو بكر الأصم الذي قال "بعدم جواز انعقادها إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضاء به عامّاً والتسليم لإمامته إجماعا".[2]  وكذلك أبو يعلى الفراء الذي قال:"إنها لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد" واستشهد بقول الإمام أحمد بن حنبل حسب رواية إسحاق بن إبراهيم:" الإمام الذي يجتمع عليه كلهم يقول هذا إمام" وعلق على ذلك قائلاً:"ظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم. وإنما اعتبر فيها قول جماعة أهل الحل والعقد أنه الإمام، لأنه يجب الرجوع إليه ولا يسوغ خلافه والعدول عنه كالإجماع. ثم ثبت أن الإجماع يعتبر في انعقاده جميع أهل الحل والعقد، كذلك عقد الإمامة".[3] 

 

   ورغم أن القول باشتراط الإجماع كان أقرب إلى تمثيل الأمة الإسلامية، إلا ان الماوردي رفض ذلك بقوة، محتجا "بأنه مدفوع ببيعة أبى بكر رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها". واستعرض مختلف الأقوال التي كانت تدور بين انعقاد الإمامة بخمسة أو ستة أو ثلاثة  أو أثنين أو واحد ، قياسا على فعل أبي بكر أو عمر، أو العباس  الذي قال لعلي:"امدد يدك أبايعك فيقول الناس: عم رسول الله بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان". واختار الماوردي الرأي القائل بأن الحد الأدنى لعدد أهل الاختيار رجل واحد.[4] وهذا رأي الإمام أبي الحسن الأشعري، واختاره أيضا القاضي عبد الرحمن الإيجي، والفقيه أحمد بن عبد الله القلقشندي، بناء على تجارب الصحابة، أو ما يسمى "الإجماع" وفي غياب الدليل الشرعي أو العقلي، على ما يقول الإيجي:" لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع من في المدينة، فضلا عن إجماع الأمة، هذا ولم ينكر عليهم أحد، وعليه انطوت الأعصار الى وقتنا هذا…".[5]

   واستقر الفقه الدستوري السني على "أن البيعة تنعقد بمن تيسر حضوره وقت المبايعة في ذلك الموضع من العلماء والرؤساء ووجوه الناس المتصفين بصفات الشهود، حتى لو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع كفى".[6]

   وتأكيدا على انحسار دور (أهل العقد والحل) وعدم قيامهم بأي دور حقيقي، نقل الماوردي عن بعض علماء العراق:" أن الخلافة تنعقد لمن اتحدت فيه شروط الإمامة، وانفرد بذلك، من دون حاجة لعقدها من قبل أهل الحل والعقد، لان المقصود من الاختيار تمييز من يستحق الولاية، وقد تميز هذا بصفته".[7]   ورغم أن هذا  القول يبطل طريقة الاختيار، فقد قال بعض الفقهاء :" إن الأفضل والأولى إذا كان واحداً بعينه، فوجوب بيعته يقتضي كونه إماما وإن لم يبايع له، ويصير في حكم المنصوص عليه".[8]

   وقد نقل القاضي الهمداني عن أستاذه أبى علي الجبائي أنه كان يقول بإمكانية عقد الإمامة برجل واحد. وذلك فيما إذا كان الإمام  يتمتع بفضل وسابقة وعلم لا مثيل له في الزمان، حيث يجب  على الجميع المبايعة له لارتفاع الشبهة في أمره. فإذا سبق إليه من أهل السير واحد فبايعه كان إماما ببيعته، وعلى سائر المسلمين أن يرضوا به ولا يجوز منهم الاجتهاد.[9] ولم يوضح الجبائي كيف يمكن للأمة الإسلامية أن تعرف شخصاً بتلك المواصفات وتتفق على انتخابه بصورة تلقائية، حتى تسلم له بلا انتخاب عام.

   كما نقل الهمداني عن شيخ آخر من شيوخ المعتزلة وهو أبو هاشم قوله بجواز مبايعة أحد المتغلبين المستولين على مدن الإسلام، بشرط مبايعته "ومن سبق إلى بيعته صار إماما وعلى المسلمين الرضا بذلك". والاكتفاء بعقد الواحد.[10]

   وأضاف الهمداني:" إذا مات بعض أئمة الحق وأقام الظالمون واحداً ليقوم بإمامتهم، وهم المسؤولون على بلاد الإسلام، فعلى الذي أقاموه أن يخلع نفسه إذا صلح للإمامة، وأن يجمع علماء المسلمين للمشاورة، فإن لم يمكنه ذلك ، بل لو ذهب يحاول هذا الأمر حاول قبله الظالمون وأقاموا لأنفسهم ظالما كما يريدون، وتمكن من إصلاح أمور الناس، وأن يقوم بما يقوم به أئمة العدل، فعليه أن يفعل ذلك. وعلى المسلمين أن يرضوا به ويتخذوه إماما، كنحو ما كان من عمر بن عبد العزيز لما قام في الناس بالعدل، لأنه لم يتمكن من الاعتزال، فالذي وجب عليه ما فعله، وهذا يقتضي ظاهره أنه بما تقدم يجب أن يتخذ إماما .. وأقل ما يصير به إماما أن يبايعه واحد على نحو ما تقدم من الوجوه، لأن الاضطرار إلى إقامة من تقدمت له هذه الأحوال أقوى، فيجب أن يعتبر إماما بهذا الوجه عنده".[11]

   واستند الهمداني وهو يقنن لأهم يند من بنود نظام الخلافة، إلى تجربة الصحابة، أو ما عرف بـ"الإجماع" وقد استفاد منه الاكتفاء بالعدد القليل وعدم الحاجة للإجماع.[12] وقال: "يدل على ذلك ما قد ثبت من إجماع الصحابة في بيعة أبى بكر، لأنه بايعه الواحد برضا أربعة على ما تقدم ذكره، وقد علمنا بإجماعهم من بعد بأنه صار إماماً من أول ما عقد له".[13]

    ولأن ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الباب الرابع: ملامح الفكر السياسي السني..الفصل الاول: تغطية الاستبداد

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 21:55 م

 

الباب الرابع:  الفكر السياسي السني

 

تغطية الاستبداد

 

 

 

 قام الفكر السني الذي تأسس على أصلي الحديث والإجماع، بعملية تاريخية كبرى هي تغطية الاستبداد وتخدير الأمة وتبرير الأمر الواقع، ومكافحة الفكر الثوري الشعبي الطامح بالعدل والشورى والمشاركة السياسية. وعندما نقول "الفكر السني" فلا نقصد بالطبع فكر الامام أبي حنيفة النعمان أو المعتزلة الأوائل الذين كانوا على خصام شديد مع "أهل الحديث" الذين شكلوا النواة الأولى للفكر السني، فقد كان الإمام أبو حنيفة رائدا في المقاومة والمناداة بالشورى، وقد توفي في السجن لتأييده ثورة إبراهيم أخي النفس الزكية. وكذلك كان المعتزلة في طليعة من نظّر الى مبدأ الشورى وطالب به.[1] وإن كان المعتزلة والأحناف قد دخلوا تحت عباءة "السنة" في القرون التالية، وتأثروا ببعض أفكارهم. وقد قلنا فيما سبق بأن المعتزلة والامام أبا حنيفة كانوا من أشد الناس رفضا للحديث (السنة) الا السنة العملية والمتواتر من الحديث، وهو قليل جدا. كما انهم لم يكونوا يقدسون جميع الصحابة، أو يقولون بعدالتهم بصورة مطلقة، وبالتالي فانهم لم يكونوا يأخذون بكل أحاديثهم بصورة مطلقة، وإنما كانوا يعرضون الحديث على العقل والقرآن، على العكس من "أهل الحديث".[2]

 

التنظير لحكومة القهر والقوة والغلبة

 

ومن هنا وقع أهل الحديث أو "أهل السنة" في شراك الاستبداد الذي كان يفرش ظلاله القاتمة على الأمة الاسلامية، وقاموا بإضفاء صبغة الخلافة على الأنظمة المضادة لها في الواقع، كما أنتجوا فتاوى تحث على الطاعة والتسليم لمن يغلب على السلطة بالقوة والقهر، وتحرم الثورة عليهم.

 

  وقد لعب المنبعان التشريعيان الجديدان اللذان يشكلان الأصلين الأساسيين في المذهب السني وهما (السنة والإجماع) دورا كبيرا في بناء الفكر السياسي السني، وإنتاج فكر الاستبداد.  وإذا كان يوجد في طيات ذلك الفكر حديث عن الشورى فإنما كان بسبب امتزاج المعتزلة والأحناف والأشاعرة في صفوف "أهل السنة" وإلا فقد قام الفكر السياسي السني منذ البداية على نظرية النص والإجماع، وتبرير سيطرة معاوية على المسلمين بالقوة.

  لقد كان "أهل الحديث" يؤمنون بأن الخليفة الأول أبا بكر استمد شرعيته من النص عليه من قبل الرسول (ص) وكذلك عمر الذي نص عليه أبو بكر، والذي نص على أعضاء الشورى الستة الذين انتخبوا عثمان. وقد عبر ابن قتيبة الدينوري (213-276)  في وقت مبكر عن هذه النظرية في كتابه (الإمامة والسياسة) الذي وضعه للرد على الشيعة بمنهج أهل الحديث .[3] وأخرج ابن حبان: أنه لما بنى رسول الله المسجد وضع في البناء حجرا وقال لأبي بكر: ضع حجرك الى جانب حجري، ثم قال لعمر:ضع حجرك الى جنب حجر أبي بكر، ثم قال لعثمان:ضع حجرك الى جنب حجر عمر، ثم قال: هؤلاء الخلفاء بعدي. وفي رواية:هؤلاء ولاة الأمر بعدي.[4]

  وعُرف هذا المذهب الذي تزعمه بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد، بالمذهب "البكري".[5] 

   وربما كان أشهر من تبنى هذا الرأي "السني" بصراحة هو ابن حزم الأندلسي ( 384 - 456 ) الظاهري، الذي ذهب في كتابه (الفصل بين الملل والنحل) الى:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصَّ على استخلاف أبي بكر بعده على أمور الناس نصاً جلياً‏".‏ واستشهد برواية تقول بأن امرأة قالت: يا رسول الله، أ رأيتَ أن رجعتُ ولم أجدك؟ كأنها تريد الموت، قال:" فأتِ أبا بكر". واعتبر ذلك  نصاً جلياً على استخلاف أبي بكر. كما استشهد برواية أخرى "أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لعائشة رضي الله عنها في مرضه الذي توفي فيه عليه السلام :" لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك فاكتب كتاباً وأعهد عهداً لكيلا يقول قائل أنا أحق، أو يتمنى متمنٍ ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" أو "ويأبى الله والنبيون إلا أبا بكر". ثم قال ابن حزم:" فهذا نص جلي على استخلافه (عليه الصلاة والسلام) أبا بكر على ولاية الأمة بعده‏".‏[6]

  ولم يتوقف ابن حزم عند نص النبي المدعى على أبي بكر، وإنما نظَّر لمسألة قيام الإمامة على أساس العهد والنص من كل إمام الى الإمام الذي يليه، ورفض الإجماع أو اشتراط أي عدد في اختيار الامام الجديد وبيعته‏‏. واحتج لذلك بإجماع الصحابة على انعقاد الإمامة بواحد.‏وقال: ‏"‏وجدنا عقد الإمامة يصح بوجوه أولها وأفضلها وأصحها أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره إماماً بعد موته، وسواء فعل ذلك في صحته أو في مرضه وعند موته إذ لا نص ولا إجماع على المنع من أحد هذه الوجوه ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر وكما فعل أبو بكر بعمر وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز. وهذا هو الوجه الذي نختاره ونكره غيره لما في هذا الوجه من اتصال الإمامة وانتظام أمر الإسلام وأهله ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى ومن انتشار الأمر وارتفاع النفوس وحدوث الأطماع‏. وليس عندنا في هذا الوجه إلا التسليم لما أجمع عليه المسلمون حينئذ".[7]

  ومع إيمان "أهل الحديث" بنظرية النص، كان عليهم أن يتخلوا عن نظرية الشورى، وذلك بتفسير آية "وأمرهم شورى بينهم". الشورى 38، باستشارة الحاكم لأهل الحل والعقد، وعدم صرفها الى وجوب انتخاب الحاكم على أساس الشورى والرضا العام، والقول باستحباب المشورة أيضا، وليس وجوبها على الإمام. وقد مال معظم فقهاء أهل السنة ومفسروهم الى هذا الرأي ما عدا فئة قليلة كابن عطية والفخر الرازي اللذين ذهبا الى وجوب الشورى.  

   وقد اضطر أهل السنة للحديث عن الشورى تحت ضغط الجدل مع الشيعة الامامية.[8] فقد تحدث كثير من الكتاب السنة عن الشورى، ولكن ليس كطريق وحيد للإمامة، وإنما كصورة أولية مثالية تاريخية، في مقابل دعوى الشيعة الإمامية بوجود النص على الإمام علي بن أبي طالب وأهل بيته، من قبل الرسول، وليس النص من قبل أي حاكم على آخر. وعندما كانوا يؤكدون على الاختيار كأساس للخلافة فانهم لم يكونوا يعنون به الاختيار العام وحق الأمة في انتخاب الإمام، وإنما اختيار أبي بكر من قبل أهل السقيفة، ثم اختيار أية جماعة – مهما قلَّت - لأي حاكم فيما بعد.[9]

   ويمكن مشاهدة الاتجاه نحو (الاختيار) لدى أبي بكر الباقلاني (الأشعري)[10] وكذلك لدى الفقيهين الدستوريين الشهيرين الماوردي (الأشعري) والفراء (الحنبلي) في كتابيهما المتشابهين في الاسم والمضمون: (الأحكام السلطانية) حيث قال الماوردي:" الإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل…".[11] و"إن أهل الاختيار تقوم بهم الحجة وببيعتهم تنعقد الخلافة".[12]  بينما قال الفراء  بأن انعقاد الإمامة باختيار أهل الحل والعقد، لا يتم إلا بجمهور أهل الحل والعقد. ورغم كون الفراء حنبليا إلا انه عبر بوضوح عن ميل كبير الى الاختيار أو الإجماع، واستند الى رواية عن الإمام أحمد بن حنبل انه قال:"الامام الذي يجتمع عليه كلهم يقول هذا إمام". وعلق عليها قائلا:"ظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم".[13] وهكذا قال النووي:" تنعقد الإمامة بالبيعة، والأصح بيعة أهل الحل والعقد الذين يتيسر اجتماعهم".[14]  

 

  وفي الحقيقة إن هذا الفكر المؤيد للاختيار، كاد يقارب الفكر الإسلامي الأول الذي كان يرفع شعار الشورى، وربما كان يشكل امتداداً لفكر المعتزلة عبر خلفهم الأشاعرة، الذين أكد أحد أقطابهم وهو الماوردي:"أن الإمامة حق المسلمين جميعا، وأنها عقد بينهم وبين الإمام".[15] ولكن اندماج الفقهاء السنة بالنظام العباسي القائم ، في القرن الخامس، دفعهم للمزج بين نظرية الشورى أو الاختيار وبين نظرية القوة والقهر والغلبة، وقد اضطر الماوردي للتحدث بلغتين في وقت واحد، حيث ذهب في البداية الى وجوب قيام أهل الاختيار بانتخاب إمام للأمة.[16] وضرورة تجنب الإكراه والإجبار في البيعة " لأنها عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار".[17] ورفض عقد الإمامة إلا بالرضا والاختيار.[18]

   ثم تخلى عن مبدأ الشورى ، وأخذ ينظِّر  لشرعية العهد من السابق للاحق، حيث اعتبر العهد أحد طريقين للإمامة، الى جانب الاختيار. إضافة الى تفريغ مفهوم أهل الحل والعقد من محتواه، بتقليص عدد أهل الشورى الى واحد أو أثنين أو ثلاثة. وقد اعتبر الماوردي في كتاب " أدب الدنيا والدين": السلطانَ القهري، قاعدة من القواعد الست التي يتم بها صلاح الدنيا وانتظام أحوالها والتئام أمرها.

 

   وكذلك فعل أبو يعلى الفراء الذي اشترط مشاركة جمهور أهل الحل والعقد في صحة انعقاد الإمامة، ولكنه أضاف الى الاختيار العهد كطريق ثانٍ، ثم أجاز طريقاً ثالثاً هو القهر والغلبة.[19]

   ونكاد نجد نفس الموقف لدى إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني (419-478 هـ)  الذي كان يعتقد من ناحية أن "الإمام نائب عن المسلمين أجمعين". [20] أو " أنه نائب عن كافة أهل الإسلام".[21] ويقول:"إن الاختيار من أهل الحل والعقد هو المستند المعتقد، والمعول المعتضد".[22] ومن ناحية أخرى لم يكن يشترط رضاهم في انتخاب الإمام.[23] وقال:"إن بايع رجل واحد مرموق كثير الأتباع والأشياع مطاع في قوم ، وكانت بيعته تفيد ما أشرنا اليه (من الشوكة) انعقدت الإمامة".[24]  وصحح إمامة من يستولي على السلطة بشوكته حتى إذا لم يكن منتخبا من أحد، فقال:" من يستبد بالاستيلاء والاستعلاء من غير نصب ممن يصح نصبه، فإذا استظهر المرء بالعدد والعدد ، ودعا الناس الى الطاعة… فان لم يكن في الزمان من يستجمع صفات أهل الاختيار، وكان الداعي الى اتباعه على الكمال المرعي، فإذا استظهر بالقوة وتصدى للإمامة، كان إماما حقاً، وهو في حكم العاقد والمعقود له".[25] وقام الجويني بالاعتراف بحكومة الأمر الواقع، فقال:"إذا استقل فرد الزمان بعدة لا تصادم، واستطالت يده الطولى على الممالك عرضاً وطولاً، واستتبت الطاعة، وأمكنت الاستطاعة، فقيامه بمصالح أهل الإيمان بالسيف والسنان، كقيام الواحد من أهل الزمان بالموعظة الحسنة باللسان".[26]

  ونجد نفس الموقف أيضاً لدى أبي حامد الغزالي الذي يطرح نظرية (الاختيار) ولكنه يعود ليفسرها ويقول بأن المقصود بـ: (الاختيار) ليس "اعتبار كافة الخلق" بل " إنما الغرض قيام شوكة الامام بالأتباع والأشياع". ويبرر ذلك بمراعاة الصفات والشروط في السلاطين تشوفاً الى مزايا المصالح، وتجنب القطع ببطلان الولايات خوفاً من بطلان المصالح رأسا، والنظر الى الأمر الواقع "بأن الولاية الآن لا تتبع إلا الشوكة، فمن بايعه صاحب الشوكة فهو الامام".[27] 

   واكتفى الغزالي بتعيين الامام بواسطة شخص واحد إذا حصلت له الشوكة، واعتبر نجاحه نصباً غيبياً من الله تعالى، ورزقاً إلهياً يؤتيه من يشاء. وقال:"إن الإمامة عندنا تنعقد بالشوكة، والشوكة تقوم بالمبايعة، والمبايعة لا تحصل إلا بصرف الله تعالى القلوب قهراً الى الطاعة والموالاة. وهذا لا يقدر عليه البشر".[28]

  واعتبر الغزالي السلطة القهرية، إحدى طرق الحكم الثلاثة، إضافة الى النص والتفويض من رجل ذي شوكة، وقال:"لو لم يكن بعد وفاة الامام إلا قرشي واحد مطاع متبع فنهض بالإمامة وتولاها بنفسه ونشأ بشوكته وتشاغل بها واستتبع كافة الخلق لشوكته وكفايته وكان موصوفا بصفات؛ قد انعقدت إمامته ووجبت طاعته فانه تعين بحكم شوكته وكفايته وفي منازعته إثارة الفتن".[29] وأضاف:"إن السلطان الظالم الجاهل مهما ساعدته الشوكة وعسر خلعه وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق وجب تركه ووجبت الطاعة له".[30]

 

    وهذا ما يدل على أن التحدث عن الشورى والاختيار لم يكن جدياً لدى عامة المفكرين والفقهاء من أهل السنة، الذين أجازوا انتقال السلطة بواسطة العهد والنص، والاستيلاء عليها بالقوة. وإذا كان البعض منهم يتحدث على استحياء عن الشورى، فان البعض الآخر لا يشير اليها من قريب أو بعيد، ويتحدث مباشرة عن شرعية الاستيلاء على السلطة بالقوة، أويكتفي باشتراط كون المتغلب من قريش. فقد روي عن الامام الشافعي أنه كان يقر بشرعية كل قرشي يغلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجتمع الناس عليه.[31]  كما روي عن أحمد بن حنبل ما يدل على أن الإمامة تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر الى العقد. حيث قال في رواية عبدوس ابن مالك العطار:" ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّي (أميرُ المؤمنين) فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً" وقال في رواية أبي الحرث - في الامام يخرج عليه من يطلب الملك ، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم-: " تكون الجمعة مع من غلب". واحتج بموقف ابن عمر الذي صلى بأهل المدينة في زمن الحَرَّة، وقال:" نحن مع من غلب".[32] 

   وقد أجاز ابن حزم الوثوب على السلطة من أي قرشي، في حالة عدم عهد الامام السابق"فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم". وأجاز لأي رجل "صالح" الوثوب على السلطة والسبق اليها بأخذ البيعة ولو من رجل واحد، ولو بطرفة عين "فالحق حق الأول وسواء كان الثاني أفضل منه أو مثله أو دونه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: فوا بيعة الأول فالأول، من جاء ينازعه فاضربوا عنقه كائناً من كان".[33]

    ونظراً لإيمان أهل السنة بشرعية الاستيلاء على السلطة بالقوة، فقد طرحوا "الإجماع" كبديل عن الشورى، وفرغوا شعار "الاختيار" من محتواه بحيث أصبح يشمل الأنظمة العسكرية القائمة على القهر والغلبة. ومن هنا قام الشهرستاني بإضفاء الصفة الشرعية على حكم معاوية وعموم الأمويين، رغم استيلائهم على السلطة بالقوة، وقال: إن "الاختلاف في الإمامة على وجهين، أحدهما: القول بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار، والثاني: بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين، فمن قال إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار قال بإمامة كل من اتفقت عليه الأمة أو جماعة معتبرة من الأمة…وقال بإمامة معاوية وأولاده وبعده مروان وأولاده".[34]

   ورغم إيمان أئمة المذهب السني الأوائل (كأحمد بن حنبل والأشعري) بانقطاع الخلافة بعد الراشدين وانقلابها الى م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أصل

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 20:01 م

 الفصل الثاني: أصل "الإجماع"

 

  وقد تفرع من أصل "الحديث" وما استتبعه من الإيمان بعدالة الصحابة وسنة الصحابة أو سنة الشيخين، أصلٌ ثانٍ اعتبره البعض العمود الفقري للمذهب السني، وهو أصل "الإجماع" الذي عده كثير من "أهل السنة" مصدراً رئيسياً ثالثاً للتشريع ، بالإضافة الى الكتاب والسنة.[1]

 

  وقد حاول بعض أئمة السنة تأصيل مبدأ الإجماع، على أساس  القرآن الكريم، كالامام الشافعي الذي اعتمد على تفسير آية: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا). النساء 115  أو كالآمدي (551-631 هـ) الذي استدل بعدة آيات أخرى رأى أنها تدل على أصل الإجماع.[2]  وقال :إن الله عدَّل الصحابة وجعلهم حجة على الناس في قبولهم أقوالهم كما جعل الرسول حجة علينا في قبول قوله علينا، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى كون أقوالهم حجة على غيرهم.[3] ولكن إمام الحرمين الجويني شكك في دلالة هذه الآيات على أصل الإجماع ونفى أن تكون ظاهرة فيه، فضلاً عن ادعاء منصب النص فيها.[4] ومن هنا اعتبر الآمدي "السنة" أقرب الطرق في إثبات كون الإجماع حجة قاطعة، وقال:"روى أجلاء الصحابة، كعمرو بن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم، بروايات مختلفة الألفاظ متفقة المعنى في الدلالة على عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة، كقوله عليه السلام: "أمتي لا تجتمع الى الخطأ". و"أمتي لا تجتمع على الضلالة". و"من فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية". و"عليكم بالسواد الأعظم" وقوله: "خير القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذي يليه ثم الذي يليه ثم تبقى حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم". وقوله عليه السلام: "ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله". ورغم أن بعض الأحاديث التي يذكرها لم يصح عن رسول الله (ص) ولم يرد في الصحيحين أو السنن، وأن بعضها مروي عن الضعفاء، وهي أخبار آحاد لا تبلغ مبلغ التواتر، ولا تفيد اليقين، وتحتمل أن النبي أراد بنفي الخطأ والضلالة عن الأمة عصمة جميعهم عن الكفر، لا بتأويل ولا شبهة. إلا أن الآمدي يأخذ بها ويقول:"إن الإجماع من أعظم أصول الدين".[5]

 

من هم أهل الإجماع؟

 

   ورغم إعطاء أهل السنة أهمية عظمى لأصل الإجماع كمصدر من مصادر التشريع، الا أنهم اختلفوا حول أهل الإجماع وحدوده،  وهل انه يقتصر على جيل الصحابة؟ أم يشمل العصور اللاحقة؟ وهل يعني إجماع الفقهاء فقط؟ أو أهل الحل والعقد؟ أم يشمل جميع المسلمين؟ وهل يقتصر على الأمور الشرعية فقط؟ أم يمتد ليغطي جميع الأمور العرفية والعقلية والسياسية والاجتماعية؟

  فبينما كان الشافعي يوسع إطار الإجماع الى الأمة الإسلامية كلها، ويرى أن الحكم المبني على إجماع الصحابة يلزم التابعين، ومن بعدهم من المسلمين، جيلا بعد جيل الى نهاية الزمان، وكذلك إجماع التابعين يلزم الأمة الى الأبد، ثم إجماع من بعدهم وهكذا حتى نهاية الدهر.[6] فإن الآمدي ذهب الى تقصير الإجماع على "أهل الحل والعقد".[7]  وأما بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي (745-794هـ) فذهب الى اختصاص الإجماع في اتفاق مجتهدي أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته.[8] في حين ذهب التفتازاني وصدر الشريعة الى أن إجماع الصحابة يكون ملزما للأجيال اللاحقة، لأنهم كانوا قريبي عهد بالرسول.[9]

   وذهب بعض الفقهاء الى تقديم الإجماع على القرآن والسنة "لأنه يتطرق الى الحديث احتمالات من النسخ والتخصيص ما لا يتطرق الى الإجماع، بل لو قطعنا بالإجماع في صور؛ ثم وجدنا على خلافه نصا قاطعا من كتاب أو سنة متواترة، لكان الإجماع أولى. لأنه لا يقبل النسخ بخلاف النص، فانه يقبله. وفي مثل هذه الصورة يستدل بالإجماع على ناسخ بلغهم أو موجب لتركه، ولهذا قدم الشافعي الإجماع على النص لما رتب الأدلة…لأنه ان كان آحادا فذاك، وان كان متواترا فالتعلق بالإجماع، لأنه معصوم، وأما الخبر فيتطرق اليه إمكان النسخ، فيحمل الإجماع على القطع، لأنه لا ينعقد إلا على قطع، ويحمل الخبر على مقتضى النسخ استنادا وتبيانا، لا على طريق البناء".[10]

 

    وفي الوقت الذي كان الإمام الشافعي والآمدي والزركشي يعتقدون بأن الإجماع مصدر مستقل للتشريع "فيما ليس فيه نصُ حكمٍ لله ولم يحكوه عن النبي".[11] وهو ما يشمل الأمور العرفية والعقلية والعلمية والسياسية والاجتماعية. [12]  فان بعض العلماء كانوا يرفضون توسيع حجية الإجماع للأمور الدنيوية.[13]

   وقد طرح توسيع بعض العلماء لأصل الإجماع ليشمل الأجيال التالية بعد جيل الصحابة، ويعمّ القضايا الدينية والدنيوية، سؤالاً مهما جداً هو: ما هو الأساس الذي يبتنى عليه الإجماع؟ وهل شرعيته في نفسه؟ وإنه مصدر من مصادر التشريع الى جانب الكتاب والسنة؟ أم إن شرعيته تنبع من كونه كاشفاً عن أدلة لم تصلنا؟

    "حكى عبد الجبار عن قوم أنه يجوز أن يحصل بالبخت والمصادفة، بأن يوفقهم الله لاختيار الصواب من غير مستند… يجوز أن يحصل عن توفيق من الله جل ذكره، بغير دليل شرعي دلهم على ذلك بأن يوفق الله للصواب بالإلهام لقوله: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)".[14]

  وذهب معظم الفقهاء الى افتراض وجود أدلة لم تصلنا، خفية أو جلية، تكمن خلف إجماع الصحابة. كالشهرستاني.[15] والغزالي والزركشي.[16] والآمدي.[17] وابن القيم.[18] وإمام الحرمين الجويني الذي نفى حجية الإجماع في نفسه "إذ لا يتصور من المجمعين الاستقلال بإنشاء حكم من تلقاء أنفسهم، وانما يعتقد فيهم العثور على أمر جمعهم على الإجماع فهو المعتمد، والإجماع مشعر به. وليس قول المجمعين بأعلى منصباً من قول المصطفى".[19]

  وهذا يقتضي أن يقتصر الإجماع على جيل الصحابة فقط ويختص بالأمور الدينية، خلافا لما قال به بعضهم (كالشافعي والآمدي والزركشي) من شموله للأجيال التالية، ولمختلف القضايا الدينية والدنيوية والاجتماعية والعرفية والعقلية. وهو ما ذهب اليه الجويني الذي فرق بين المسائل الشرعية التي لا مجال للعقل فيها، وبين المسائل العرفية والاجتماعية التي تخضع للعقل، فقبل بالإجماع في المسائل الشرعية فقط .[20]  وما ذهب اليه ابن حزم الذي رفض حجية الإجماع المتأخر بشدة.   "النبذة الكافية " (ص 20).

 

  ورغم كل الملاحظات التي يوردها أهل السنة على الإجماع فقد اعتبروه أصلاً مهماً من أصول الدين، ودليلا مقطوعا به، لا تجوز مخالفته. [21] إذ أن "استصحاب الإجماع واجب أبداً، لأنه لا ينسخ، كما ينسخ النص، ولا يختص كما يختص المفهوم".[22]  وبدعوا وفسقوا مخالفه.[23] و"اختلفوا في تكفير جاحد الحكم المجمع عليه، فأثبته بعض الفقهاء وأنكره الباقون". [24] وقال الزركشي: "إن أنكر أصل الإجماع وأنه لا يحتج به، فالقول في تكفيره، كالقول في تكفير أهل البدع والأهواء".[25]  

  وقد توسع علماء أهل السنة في استخدام (الإجماع) في الأمور المختلفة حتى كاد يطغى على المصدرين الأساسيين (القرآن والسنة) ويصبح المصدر الأول للدين.[26] ورغم اشتراط الجويني قيام الإجماع على أساس النص، ورفضه الاعتراف بحجية الإجماع في المسائل العرفية والاجتماعية التي تخضع للعقل، إلا أنه عند التطبيق استدل بالإجماع في الأمور العرفية ، وذلك بعد أ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأصول التشريعية للمذهب السني أصل السنة

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 19:59 م

الباب الثاني: نشوء المذهب السني، أو الأصول التشريعية للمذهب السني

 الفصل الأول: أصل السنة

  رأينا في الفصول السابقة أن القرآن الكريم والسنة النبوية لم يتحدثا عن تفاصيل النظام السياسي بعد الرسول (ص) وأن نظام الخلافة في عهد الراشدين ولد بناء على العرف والعقل، وأنه كان مدنيا ولم يكن دينيا. كما رأينا أيضا كيف اكتست الأنظمة الجائرة والمستبدة التي اغتصبت السلطة فيما بعد، هالة الخلافة الدينية دون حق.  وقد تمت عملية إضفاء صبغة الخلافة على الأنظمة المضادة لها، وتغطية سلوكها الاستبدادي، عبر أصلين تشريعيين جديدين، غير الكتاب والسنة، هما:

1-              "الأحاديث" المنسوبة الى الرسول محمد (ص)، أو ما يسمى بـ"السنة".

    2-      "الإجماع".

  والمقصود من "السنة" هنا ليس هي السنة النبوية العملية الثابتة والمتواترة، التي أجمع على قبولها جميع المسلمين من مختلف الطوائف، وإنما "الأحاديث" الضعيفة والمتناقضة، وأخبار الآحاد المشكوك بصدورها عن النبي، والتي كانت تنتشر وتتكاثر في القرون الثلاثة الأولى وبلغت مئات الألوف، والتي أعطت "المذهب السني" اسمه ومعناه.[1]

 

  وكان الأخذ بهذا الأصل في البداية مقتصراً على "أهل الحديث" أو الحنابلة فقط، كما كان عنوان (أهل السنة) كان مقتصراً عليهم، ولم يكن يشمل جميع المذاهب التي حملت اسم "السنة" فيما بعد، كالأحناف (أصحاب الإمام أبي حنيفة) [2] والمعتزلة "أهل الرأي" الذين كانوا يعتمدون على القرآن والسنة العملية المتواترة فقط، ويتحفظون على الانفتاح الواسع على أخبار الآحاد.[3] إذ لم يدخل هؤلاء في إطار (أهل السنة) إلا في القرن الخامس الهجري على يدي الخليفة العباسي القادر. إذن فإن المقصود من (السنة) هي أخبار الآحاد التي كان يتداولها "أهل الحديث" والحنابلة بالدرجة الأولى.[4]

 

المذهب الحنبلي

 

  وقد اشتهر الإمام أحمد بن حنبل (164 ـ 241 هـ ) كزعيم لأهل السنة، لما قام به من تأسيس لأصول المذهب. وما اتخذه من موقف رافض وشديد لمدرسة الفقهاء والمجتهدين والمعتزلة، حيث ذهب الى التمسك بالحديث كما هو (وقد روى حوالي أربعين ألف حديث في مسنده) معتبراً ذلك من السنة، ورافضاً أي جدل أو نقاش في الأحاديث ، فضلاً عن ردها، معتبراً ذلك بدعة مخالفة للسنة، فقال في رسالته في (أصول السنة):" أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم)  والاقتداء بهم ، وترك البدع. وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء وترك المراء والجدال والخصومات في الدين. والسنة عندنا آثار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول والأهواء. إنما هو الاتباع وترك الهوى".  وأشار أحمد الى أهمية "التصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها. لا يقال: لِمَ؟ و كيف؟، إنما هو التصديق والإيمان بها. ومن لم يعرف تفسير الحديث، ويبلغه عقله؛ فقد كفي ذلك وأحكم له؛ فعليه الإيمان به والتسليم له". ثم طالب بالتسليم للأحاديث التي اعتبرها صحيحة، وقال:"لا يكون صاحبه - وإن كان بكلامه سنة- من أهل السنة حتى يدع الجدال ويسلِّم، ويؤمن بالآثار…والحديث عندنا على ظاهره، كما جاء عن النبي (صلى الله عليه وسلم) والكلام فيه بدعة. ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره. ولا نناظر فيه أحداً ".  

   وقد رفض الامام أحمد بن حنبل القياس والعمل بالرأي، وذهب الى تفضيل الأحاديث المرسلة والضعيفة على الرأي، واعتبار ذلك أصلا من أصول السنة. وحسبما يقول ابنه عبد الله: أنه سمع أباه يقول:" الحديث الضعيف أحب إليَّ من الرأي". فسأله عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة. فقال أحمد بن حنبل: "يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي. ضعيف الحديث أقوى من الرأي".[5]  

  ورغم وجود شكوك حول صحة كثير من الأحاديث، وبالخصوص أخبار الآحاد، وبالأخص الأحاديث المناقضة للعقل والقرآن، فان أهل الحديث (أو أهل السنة، أي الحنابلة) أطلقوا على كل ما وصل اليهم من أحاديث اسم (السنة) إذا صح السند لديهم، ورفضوا دراسة متنها وتنقيحها على هذا الأساس.[6] وفي هذا يقول أحد أعمدة المذهب الحنبلي وهو الامام البربهاري:"اعلم رحمك الله: أنه ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تُتبع فيها الأهواء، وانما هو التصديق بآثار رسول الله (ص) بلا كيف ولا شرح ، ولا يقال: لم؟ وكيف؟ والكلام والخصومة والجدال والمراء محدث، يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة".[7] " واعلم – رحمك الله – أن الدين إنما جاء من قبل الله تبارك وتعالى، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله وعند رسوله، فلا تتبع شيئا بهواك، فتمرق من الدين، فتخرج من الإسلام…". "واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حجة من أهل السنة والجماعة فقد قال على الله ما لا يعلم".[8]

  ويحذر من الكلام وأصحاب الكلام والجدال والمراء والقياس والمناظرة في الدين، ويقول:"إن استماعك منهم، وإن لم تقبل منهم، يقدح الشك في القلب، وكفى به قبولاً فتهلك. وعليك بالأثر وأصحاب الأثر والتقليد، فان الدين إنما هو التقليد ، يعني للنبي (ص) وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ومَن قبلنا لم يدَعونا في لبس ، فقلدهم واسترح ، ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر".[9]

   ويضيف:"لا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام، حتى يردَّ آية من كتاب الله عز وجل، أو يرد شيئا من آثار رسول الله (ص). وإذا فعل شيئا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام".[10] "وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها، أو ينكر شيئا من أخبار رسول الله (ص) فاتهمه على الإسلام، فانه رجل رديء القول والمذهب ، وإنما طعن على رسول الله وأصحابه؛ لأنه إنما عرفنا الله وعرفنا رسوله وعرفنا القرآن وعرفنا الخير والشر والدنيا والآخرة بالآثار، وإن القرآن الى السنة أحوج من السنة الى القرآن".[11] "وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، أو يرد الآثار، أو يريد غير الآثار فاتهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع.  وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ، ويُرِد القرآن، فلا شك أنه رجل قد احتوى على الزندقة ، فقم من عنده ودعه".[12] "وكل ما سمعت من الآثار مما لم يبلغه عقلك، نحو قول رسول الله (ص) :"قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن" وقوله:" ان الله تبارك وتعالى ينزل الى سماء الدنيا، وينزل يوم عرفة، وينزل يوم القيامة، وجهنم لا يزال فيها مطرح حتى يضع عليها قدمه، وقوله خلق الله آدم على صورته، وقول النبي: رأيت ربي في أحسن صورة " وأشباه هذه الأحاديث ، فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض، لا تفسر شيئا من هذه بهواك، فان الإيمان بهذا واجب، فمن فسر شيئا من هذا بهواه أو رده فهو جهمي".[13]    

  وهكذا يقول ابن زمنين الأندلسي:"اعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن، وأنها لا تدرك بالقياس ولا تؤخذ بالعقول، وإنما هي في الاتباع للأئمة ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة".[14]

 

السنة حاكمة على الكتاب

 

     وبينما كان أهل الرأي يعتبرون القرآن المصدر الأول والأساس للتشريع، ويرفضون تخصيص عموم القرآن بأخبار الآحاد، كان "أهل الحديث" يضعون أخبار الآحاد في موازاة القرآن أو أعلى منه.  وذلك لأنهم نظروا الى (السنة) باعتبارها نصا مكافئاً للقرآن، من حيث وجوب العمل بكليهما، فهما معا جزءان أو قسمان كلاهما يتمم الآخر، ويجمعهما معا اسم النصوص الموحى بها والتي يرجع اليها أولاً في إثبات أحكام الشريعة. وحسبما يقول الامام الغزالي في (المستصفى):"إن الكل من عند الله. إن كلام الله واحد وليس بكلامين، أحدهما قرآن والآخر ليس بقرآن. الاختلاف بينهما بالعبارة فقط، فربما عبر الله بكلامه بلفظ منظوم يأمرنا بتلاوته فيسمى قرآناً، وربما عبر بلفظ غير منظوم فيسمى سنة، والكل مسموع من الله، وإن الناسخ هو الله في كل حال".[15]

  وحسبما يقول القاضي عبد الجواد ياسين، فان الفقه السلفي، كان يعتبر السنة في مرتبة القرآن، فكلاهما وحي ألقي في روع النبي (ص) ومن ثم فإذا حدث تعارض ظاهري بين نص سني ونص قرآني، وجب أن تجري عليه القواعد التي يتم بها رفع التعارض بين نصين قرآنيين، حيث لا فرق بين هذين الضربين من التعارض، ومن بين هذه القواعد تخصيص العام أو تقييد المطلق أو حمل الخاص على العام أو حمل المطلق على المقيد.[16] وأن أخبار الآحاد تملك صلاحية تخصيص العام الوارد في القرآن، لأن دلالة العام في القرآن "ظنية" وليست قطعية في دخول أفراد العام جميعا في معنى العموم. وبالتالي فان أخبار الآحاد يمكن أن تخصص عموم القرآن، من منطلق أن الظني يملك صلاحية تخصيص الظني.[17]

   وبلغ التطرف لدى بعض أهل الحديث شأواً بعيداً، بوضعهم أخبار الآحاد في منزلة أعلى من القرآن الكريم، وذلك بقولهم إن السنة حاكمة على القرآن، و إنها تخصص عموم القرآن، ولو كانت أخبار آحاد. في حين لا يعارض القرآن الأحاديث ولا يخصصها. ولذلك رفض الإمام أبو بكر الآجري معارضة الأحاديث بالقرآن، وأنكر ذلك وحذر منه أشد التحذير.[18]  واعتبر من يقول به "خارجا عن ملة الإسلام ، وداخلا في ملة الملحدين ".[19]  واشتهر عن يحيى بن كثير قوله:" السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضٍ على السنة".[20]  وقال الامام البربهاري:"إن القرآن الى السنة أحوج من السنة الى القرآن".[21] 

  ولكن عندما سئل الامام أحمد بن حنبل عن معنى قول "السنة قاضية على الكتاب" ما تفسيره؟ تردد وقال:" ما أجرؤ على هذا أن أقول، لكن السنة تفسر القرآن، ولا ينسخ القرآن إلا القرآن". وقال ابنه عبد الله : سألت أبي: أتقول في السنة تقضي على كتاب الله؟ قال:قد قال ذلك قوم، منهم مكحول والزهري. قلت لأبي: فما تقول أنت؟ قال: أقول إن السنة تدل على معنى الكتاب. وكان جواب أحمد هذا - في الحقيقة- غامضاً ، ولذلك ترك الباب مفتوحاً أمام أبي عمر بن عبد البر ليفسره بقوله:"يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه". أي بما ينسجم مع نظرية يحيى بن كثير والتي تحرَّج الامام أحمد من البوح بها بصراحة.[22]     

  وقد أكد المحدث المعاصر ناصر الدين الألباني، مقولة "السنة حاكمة على كتاب الله" وقال:"يجب اعتبار الكتاب والسنة مصدراً واحداً لا فصل بينهما أبدا".[23]

 

عدالة الصحابة

   ونتيجة لذلك الانفتاح الواسع على الأحاديث، وقبولها بغض النظر عن معارضتها للقرآن، وقع "أهل السنة" (وبالدرجة الأولى الحنابلة أهل الحديث) ضحية أحاديث تضفي صفة قدسية على عموم الصحابة، مثل: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".[24] وذلك بالرغم من تناقض نظرية عدالة الصحابة مع القرآن الكريم، الذي يربط الدرجة العليا لأي إنسان بالعمل الصالح حتى لو كان أقرب المقربين من الرسول، أو الرسول نفسه.[25]     

   وهذا ما ساعد على تقبل كثير من الأحاديث الضعيفة وتصديق كل ما يأتي من أولئك الرواة من الصحابة "الذين لا يمكن أن يكذبوا" واعتبار كل أحاديثهم جزء من السنة النبوية. كما ساهم في تضخيم صورة جميع الصحابة في الأذهان، فبعد أن كان المسلمون ينظرون اليهم بنسبية، وكُلاً ع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السابق التالي