إضفاء صبغة الخلافة الدينية على الملك

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 19:56 م

   اعتبر السلف أو الجيل الإسلامي الأول ، سيطرة معاوية بن أبي سفيان على السلطة بالقوة، وسن نظام الوراثة في الحكم، انقلاباً على أهم مبادئ الخلافة وصفاتها الضرورية، وتحولاً نحو القيصرية والكسروية. فقد كان هناك خيط فاصل بين الخلافة والملك، هو العدل والشورى ورضا الأمة بالإمام، وعندما كان أي حاكم ينتهك هذا الحد ، حتى لو كان منتخباً من الأمة، فانه كان يفتقد صفة الخلافة. فكيف إذا قام حكمه من الأساس على الظلم والقوة والاغتصاب؟

   وقد رأينا الخليفة عمر بن الخطاب كيف كان يتخوف أن ينقلب الى مَلِك! وكيف كان الصحابة ينظرون الى الملك والخلافة ويفرقون بينهما تفريقاً كبيراً.

   ولم يكن مقبولاً ولا معقولاً إطلاق صفة "الخلافة" واسم "الخلفاء" على الحكام الملوك المنقلبين على حقيقة الخلافة،  الذين كانوا يعتمدون على القوة أو الوراثة في وصولهم الى الحكم. ومن هنا كان  أئمة المسلمين الأوائل من السنة والشيعة يعتبرون تلك الأنظمة أنظمة ملكية بحتة وظالمة، وكانوا يقصرون صفة الخلافة على تجربة الخلفاء الراشدين فقط.[35] فقد روى الامام أحمد بن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري حديث "الخلافة ثلاثون سنة". وقام محمد بن عبد الله ذو النفس الزكية بثورة على المنصور، وحظي بدعم الإمام مالك الذي أفتى بعدم صحة طلاق المكره، ليحل الناس من بيعة المنصور التي تمت بالإكراه، وأفتى الامام أبو حنيفة بجواز تقديم الدعم المادي له.

 

    ولم تنشأ فكرة "الخلافة الدينية" أو يتم إطلاقها على "الخلفاء" الأمويين والعباسيين ومن بعدهم، إلا في وقت متأخر في العهد العباسي الثاني، حين حاول بعض الحكام العباسيين إضفاء صبغة شرعية دينية على نظام حكمهم، وقام بعض الفقهاء بالتنظير لهم، واعتبار كل الحكام منذ وفاة رسول الله الى زمانهم "خلفاء" بدرجة أو بأخرى، والقول بضرورة استمرار سلسلة الخلافة الى يوم القيامة.[36]

 

 

   ورغم أن فكرة الخلافة اقترنت بالفكر السياسي السني، إلا ان جذورها كانت شيعية، وذلك بسبب انشقاق العباسيين عن الحركة الشيعية الأولى، وتأثرهم بالفكر الشيعي أو الإمامي الذي كان يضفي الصبغة الدينية على الأئمة من أهل البيت [37]، ومحاولة العباسيين مضاهاتهم لهم، فعلى عكس السلالة الأموية التي استولت على السلطة بالقوة الصريحة، ولم يكن يربطها برسول الله رابطٌ كبيرٌ؛ فان العباسيين كانوا يعتبرون أنفسهم من "أهل البيت". وبالتالي فانهم قريبون جدا من الرسول الأكرم و"عترته". وقد حاول سلفهم الادعاء بوجود نص على جدهم العباس، من الرسول (ص).[38] واستعانوا بأحاديث موضوعة تصور دولة بني العباس وكأنها ذات مسحة دينية.[39] وذهب المنصور الى اعتبار نفسه "سلطان الله في أرضه"!.[40] بينما ذهب المعتضد العباسي الى اعتبار "الخلفاء العباسيين: ورثة خاتم النبيين والقائمين بالدين، والمستحفظين ودائع الحكمة، ومواريث النبوة ".[41]

   وتكرست الصفة الدينية للخلافة العباسية بعد أن فقدت سلطتها وتحولت الى "خلافة رمزية" في ظل سيطرة البويهيين والسلاجقة والأتراك. وقد كان ذلك تطوراً كبيراً، ابتدأه عبد القاهر البغدادي الذي اعتبر "الخلافة والإمامة ركناً من أركان الدين".[42] وجاء الماوردي ليعتبر الخلافة :"مؤسسة ضرورية لا معدى عنها للدين والدنيا" كما يقول الدكتور رضوان السيد.[43] وقام بإضفاء الشرعية على جميع الحكام السابقين من الأمويين والعباسيين الرافضة مثل المنصور والمهدي، والمعتزلة كالمأمون والمعتصم والواثق الذين اضطهدوا أهل السنة والحديث.[44]

   ولكي يضفي الماوردي على الخلافة هالة قدسية ويحولها الى  منصب ديني، قام باختيار الرأي القائل بوجوب الخلافة عن طريق الشرع، وليس العقل. ورفض الرأي القائل بوجوبها عن طريق العقل:"لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم"… وذلك لأن

 الشرع فوض الأمور الى وليه في الدين. كما قال الله عز وجل: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..). النساء 59

   وقال الماوردي:"إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا".[45] و"إن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيما خلف به النبوة، وحاط به الملة، وفوض اليه السياسة، ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع فكانت الإمامة أصلا عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح الأمة حتى استتبت بها الأمور العامة وصدرت عنها الولايات الخاصة".[46]

   وقد أكد أبو يعلى الفراء وجوب الإمامة عن نفس الطريق، وقال بوضوح:إن "طريق وجوبها السمع لا العقل، لأن العقل لا يُعلم به فرض شيء ولا إباحته، ولا تحليل شيء ولا تحريمه".[47]

  وذهب محمد بن عبد الكريم الشهرستاني الى وجوب الإمامة عن طريق السمع، وقال:إن"الدليل الساطع على وجوب الإمامة سمعاً اتفاق الأمة بأسرها من الصدر الأول الى زماننا أن الأرض لا يجوز أن تخلو من إمام قائم بالأمر". عن نهاية الاقدام في علم الكلام

  ثم جاء بعد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الإنقلاب على الخلافة

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 19:50 م

 

الفصل الخامس:  الإنقلاب على الخلافة   

 

 

   أسفر  تنازل الإمام الحسن عن الحكم لصالح معاوية بن أبي سفيان، عن نهاية عهد الشورى والخلافة الحقيقية، وبدء قيام الدولة العربية الملكية على أساس القوة والإكراه. ومع أن معاوية أطلق على عهده شعار (الجماعة) إلا انه في الحقيقة لم يمثل الأمة أو الجماعة، ولم يلتزم بتحقيق أهدافها الإسلامية السامية. وقد أعلن معاوية عن ذلك بصراحة عندما وقف في الكوفة وقال لأهلها متحدياً: "يا أهل الكوفة: أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون؟ لكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وانتم كارهون" .[1]

   وبسبب قيام نظامه على القوة المجردة بدلا من الشورى أو الرضا العام ، شعر معاوية بالتحرر من أي التزام تجاه الأمة، لا بالشريعة الإسلامية ولا بالعدل ولا بسنة الشيخين ولا حتى بسيرة عثمان، وقال لأهل المدينة بكل استهتار وتحدٍ: " أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة، ولقد رضيت لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة وأردتها على عمل عمر فنفرت من ذلك نفاراً شديداً، وأردتها مثل ثنيات عثمان فأبت عليّ، فسلكت بها طريقاً لي ولكم فيه منفعة: مؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة. فان لم تجدوني خيركم فاني خيرٌ لكم ولايةً. والله لا أحمل سيفي على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يستشفى به القائل بلسانه فقد جعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فاقبلوا مني بعضه، فان أتاكم مني خير فاقبلوه، فان السيل إذا زاد عنّى وإذا قلّ أغنى، وإياكم والفتنة فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة" .[2]

   وطالب معاوية أهل المدينة بالقبول بالأمر الواقع والتسليم لحكمه، قائلا: " اقبلونا  بما فينا، فان ما وراءنا شر لكم، وان معروف زماننا هذا منكر زمان قد مضى، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت".[3]

  وأعطى معاوية لنفسه كامل الحق في التلاعب بالمال العام دون رقيب أو حسيب، وذلك بالإغداق على من يواليه وحرمان من يعاديه، وتولية أقاربه وأعوانه البلاد، وإطلاق يدهم في التصرف فيها كما يشاءون. وقد ابتعد معاوية بذلك عن روح الخلافة الإسلامية ومنهجها، كما أبعد المسلمين عن ممارسة دورهم في خلافة الله في الأرض.

   

  حصر الخلافة في بني أمية

 

    وعندما وجد معاوية نفسه عارياً من صفات الخلافة الحقة، وصبغتها الشرعية، وفاقداً لرضا الأمة؛ حاول تأسيس شرعية دستورية جديدة هي العصبية القبلية "القرشية" والتعويض بها عن الشورى المفقودة ومبادئ العدالة الإسلامية. ومع ان الصحابة كانوا يميزون بين المهاجرين من قريش وبين "الطلقاء" الذين ظلوا يحاربون الإسلام والمسلمين حتى فتح مكة، ويرفضون أن يلي أحد من هؤلاء الخلافة.[4] إلا أن معاوية حاول أن يلغي الفارق بينه وبينهم وأن يحشر نفسه معهم باعتباره واحداً من قريش. وقد عبَّر عن نظريته السياسية القائمة على العصبية القرشية، في جلسة جمعته وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، حيث قال: "إنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف لأنهم أهل رسول الله، فلما مضى رسول الله ولّى الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك ولا الخلافة، غير أنهما سارا بسيرة جميلة ، ثم رجع الملك الى بني عبد مناف فلا يزال فيهم الى يوم القيامة، ولقد أخرجك الله يا ابن الزبير وأنت يا ابن عمر (لأنهما ليسا من بني عبد مناف) فأما ابنا عمي هذان (ابن عباس و ابن جعفر) فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله".[5]

    وقد أراد معاوية تطييب خاطر ابن عباس وابن جعفر والاعتراف بحقهما السياسي في الولاية كونهما من بني هاشم وبني عبد مناف، ولكنه في الحقيقة لم يكن يرى لهما أي حق في منافسته على السلطة، وهو الذي قاتل الامام علي وابنه الامام الحسن من أجلها، وانتزعها منهما بالقوة.

   وحاول معاوية إضفاء شرعية دينية مزيفة على "العصبية القرشية" فقال:"… بنى الله هذا الملك على قريش وجعل هذه الخلافة عليهم، ولا يصح ذلك إلا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم بالله، أ فتراه لا يحوطهم وهم على دينه؟ وقد أحاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم؟ ".[6] ولم يكن يجد بأسا في الرواية عن النبي (ص) بـ :"أن هذا الأمر في قريش". [7]

 

تحويل الخلافة الى نظام وراثي

 

  وبعد أن حصر معاوية الملك في قريش، وفي بني أمية بالتحديد، وأقصى المهاجرين والأنصار والعرب وبقية المسلمين، كان من الطبيعي ان يحوِّل الخلافة الى ملك وراثي  قائم على القوة والإكراه، وهو الذي استولى على السلطة بالقوة ، وأن يعهد الى ابنه يزيد، ولم يكن بحاجة الى المغيرة بن شعبة  ليقترح عليه هذا الأمر، فقد كانت كل المؤشرات تصب في هذا الاتجاه.

  وهكذا قرر معاوية العهد الى ابنه يزيد، بغض النظر عن مؤهلاته الشرعية وحب الناس له أو رضاهم به، وبدأ يمهد الجوَّ له بأخذ البيعة له في حياته، خلافا لاتفاقه مع الامام الحسن الذي تنازل له عن الخلافة على أن تعود اليه من بعده. فزار معاوية المدينة سنة خمسين للهجرة ودعا زعماء البيوت القرشية من المهاجرين وهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر فاستشارهم حول العهد الى ابنه يزيد. فرفضوا جميعا ذلك وحذروه ودعوه الى الأخذ بالشورى واختيار الأصلح من الأمة. وقال عبد الله بن عمر:"إن هذه الخلافة ليست بهرقلية ولا قيصرية ولا كسروية يتوارثها الأبناء عن الآباء، ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي".[8] وقال عبد الرحمن بن أبي بكر:" يا بني أمية، إن هذا الأمر كان لرسول الله ، وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا ، فلم يفعل، فأعدتموها يا بني أمية أعجمية كلما هلك هرقل قام هرقل!".[9] وطالبه عبد الله بن الزبير باتباع سيرة رسول الله، الذي ترك الناس فاختاروا لأنفسهم بعده من رأوه أهلا لها، أو سيرة أبي بكر الذي نص على رجل مرضي عند الأمة، أو سيرة عمر الذي جعلها شورى في قوم مرضيين معروفين. كما احتجت السيدة عائشة أم المؤمنين على ذلك وقالت له: " قد كان لمن تقدمك بنون ما ابنك مثلهم، فما رأوا في بنيهم ما رأيت".[10]

  ولكن معاوية لم يأبه كثيرا لملاحظاتهم ، وقال لهم:" لستم في زمان أبي بكر وعمر، إنما هم بنو أمية من عصاهم أوجلوه بالسيف"!. وهو ما استفز السيدة عائشة التي ردت عليه قائلة:" إنما هو ملك باطل تجعلونه يا بني أمية فيمن تهوونه".[11]

   وحاول معاوية أن يصور للناس بأن تعيين يزيد من إرادة الله التي لا مفر منها، فكان يقول:" إن أمر يزيد قضاء وقدر وليس للعباد الخيرة من أمرهم".[12]  ولم يجد وسيلة لأخذ البيعة له الا بالقوة.[13] فذهب الى المدينة ليأخذ البيعة لابنه يزيد من أهلها بنفسه.[14]  ومع ذلك لم ينجح في مهمته، وجُوبهَ بمعارضة شديدة ، خاصة من قبل زعماء البيوتات القرشية المهاجرة، فنزل عن المنبر وانصرف الى منزله غاضباً، وأمر حرسه أن يُحضروا هؤلاء النفر الذين أبوا البيعة، وأوصاهم قائلا:"إني خارج العشية الى أهل الشام فأخبرهم أن هؤلاء النفر قد بايعوا وسلموا، فان تكلم أحد منهم بكلام يصدقني أو يكذبني فيه ، فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه". فحذر القوم ذلك.[15]

   وأرسى معاوية بذلك أخطر انقلاب دستوري في تاريخ المسلمين من نظام الشورى الى نظام الوراثة العائلية ،  اعتمادا على قوة السيف واستناداً الى أعراف النظام القرشي الجاهلي.

 

  وبعد وفاة معاوية، حاول يزيد أن يأخذ البيعة من المسلمين له بالقوة، فكتب الى عامل أبيه على المدينة خالد بن الحكم، يخبره بوفاة أبيه ويطلب منه المبادرة الى إجبار الناس على البيعة له، وأخذ الأيمان المغلظة عليها:"بايع لنا قومنا ومن قبلك من رجالنا.. وليكن أول من يبايعك الحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير، ويحلفون على ذلك بجميع الأيمان اللازمة، ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها، وجزية رقيقهم وطلاق نسائهم، بالثبات على الوفاء بما يعطون من بيعتهم".[16]

   ولكن الحسين رفض البيعة ولجأ الى مكة، ثم خرج الى العراق، بعد أن كتب اليه أهله يحثونه على القدوم عليهم. [17] الا أن جيش يزيد قتله في كربلاء مع أهل بيته، في العاشر من محرم سنة 61 للهجرة.[18]

   ولم تلبث المدينة أن ثارت على يزيد، بقيادة عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، واستقل عبد الله بن الزبير بمكة، فأرسل يزيد مسلم بن عقبة اليهم وقال له: "انهض الى ابن الزبير واتخذ المدينة طريقا اليه، فان صدوك أو قاتلوك فاقتل من ظفرت به منهم، وانهبها ثلاثاً… فإذا قدمت المدينة فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك الحرب، فالسيف السيف ، أجهز على جريحهم وأقبل على مدبرهم وإياك أن تبقي عليهم، وان لم يتعرضوا لك، فامضِ الى ابن الزبير".[19]

   ولما كانت المدينة في طليعة الثائرين على يزيد، اشتبك مسلم مع أهلها في حادثة شهيرة تسمى "واقعة الحرة" ودخل بعدها المدينة وأعمل في أهلها السيف، فقتل يومئذ من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس سبعمائة رجل، وسائرهم من الناس عشرة آلاف، سوى النساء والصبيان.[20] وقُتل بها من أصحاب النبي (ص) ثمانون رجلاً، ولم يبق بعد ذلك بدري. ثم انتهبوها ثلاثة أيام.[21]

   ودعا مسلم بن عقبة - الذي أصبح يعرف منذ ذلك اليوم "بمسرف بن عقبة" – الناسَ للبيعة على أنهم خَوَلٌ ليزيد بن معاوية ، يحكم في دمائهم و أموالهم و أهليهم ما شاء، فمن امتنع من ذلك قتله.[22]

  ومضى مسرف بن عقبة ، بعد ذلك، صوب مكة لحرب ابن الزبير ، فمات في الطريق. ومات بعده يزيد بن معاوية، الذي أوصى الى ابنه معاوية الثاني، إلا أن هذا لم يلبث سوى أيام حتى مات أيضا، فانهار النظام الأموي.  واشتعلت الثورات في كل مكان. وكاد الحكم الأموي ينطوي لصالح عبد الله بن الزبير الذي أعلن ثورته في مكة، وامتد حكمه الى الحجاز واليمن ومصر والعراق، وكاد يتم له الأمر ويستقر لولا تمرد الأمويين في الشام، الذين بايعوا كبيرهم مروان بن الحكم، الذي استعاد الشام وأعاد الحياة للدولة الأموية.

   وبعد سقوط نظام الشورى، كان من المتوقع أن يسير مروان على خطى معاوية فيوصي الى ابنه عبد الملك، الذي سيطر على الشام و مصر والعراق، وقضى على دولة عبد الله ابن الزبير في مكة.[23] حيث لم يكن لمنطق القوة أية حدود، ولم يكن يعرف أية حرمات.

 

   ومع كل ذلك لم تكن ثورة أهل الحجاز لتهدأ بهذه السهولة، ولذلك ذهب عبد الملك الى المدينة ووقف فيها مهدداً :" أما بعد فلست بالخليفة المستضعف – يعني عثمان- ولا الخليفة المداهن – يعني معاوية- ولا الخليفة المأفون – يعني يزيد- ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال، ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم، تكلفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم، فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم، هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا، ألا وإنا  نحمل لكم كل شيء إلا وثوباً على أميرٍ أو نصب راية، ألا وان الجامعة التي جعلناها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه، والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه".[24]

وبادر عبد الملك  الى إشاعة مفهوم جديد ومطلق للطاعة ، لا يقف عند الحدود الشرعية ، كما كان يقول الرسول الأعظم (ص) والخلفاء الراشدون، وإنما يمتد ليصبح نوعا صريحا من العبودية للحاك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الثغرات الدستورية في تجربة الصحابة السياسية

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 19:44 م

الباب الأول

الفصل الثاني: الثغرات الدستورية في تجربة الصحابة السياسية 

 

 أثبتنا في الصفحات الماضية نظرة الصحابة الى الخلافة بأنها وكالة ونيابة عن الأمة، وأنها كانت ذات طبيعة مدنية وليست دينية. وبما أن المجال السياسي كان إنسانيا فقد كان قابلا للتطور نحو الأفضل أو التدهور نحو الأسوأ.  وقد حاول الصحابة أن يجتهدوا ويجيبوا على كثير من الأسئلة التي واجهتهم. وقد نجحوا في بعض الأمور وفشلوا في بعضها الآخر.

 

1 - حصر الخلافة في قريش

 

   من الأمور التي فشل الصحابة في حلها ، هي مكانة قريش ودور الأنصار ، فضلاً عن بقية المسلمين من العرب وغيرهم، في الحياة السياسية، أي في الترشح لمنصب الإمامة، و المساهمة في ترشيح الامام، والحق في المشاركة بالشورى في جماعة أهل الحل والعقد.

   فقد حاول الأنصار في البداية الاستئثار بالسلطة وانتخاب أحدهم لمنصب الامام، مما أدى الى احتجاج المهاجرين عليهم بمكانة قريش لدى العرب. حيث قال أبو بكر يوم السقيفة:" إن هذا الأمر لا تدين العرب فيه إلا لهذا الحي من قريش".[1] وأيده في ذلك عمر بن الخطاب الذي قال:" إنه والله لا يرضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم وأولوا الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين. من ينازعنا سلطان محمد وميراثه؟ ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدلٍ بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة".[2]

  ورغم انتخاب أبي بكر للخلافة ، إلا انه ظل متردداً في الأمر. وقال عند وفاته:"وددت أني سألت (الرسول) فيمن هذا الأمر، فلا ينازع الأمر أهله.. وددت أني سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب فنعطيهم إياه".[3]

   ومع أن المهاجرين وَعَدوا الأنصار بدور الوزارة والاستشارة، كما قال أبو بكر:"ليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا نفتات دونكم بمشورة ولا تنقضي دونكم الأمور".[4]  إلا إن المهاجرين القرشيين سيطروا بصورة كاملة على الأمور فيما بعد، ولم يستوزروا الأنصار، ولم يستشيروهم في كثير من الأمور المهمة ، ولم يدخلهم عمر في (الشورى) التي انتخبت عثمان، واقتصرت على شيوخ المهاجرين.

2 -  العهد الى عمر

 

  ومن الأمور التي أثارت جدلا بين الصحابة،  عهدُ أبي بكر إلى عمر من بعده بالخلافة. حيث كان من المفترض حسب المبدأ الذي تحدثنا عنه في الصفحات السابقة، وهو حق الأمة في اختيار إمامها، أن يترك أبو بكر الأمر للأمة لكي تختار من تريد، أو يشكل مجلساً للشورى من أهل الحل والعقد لينتخب الإمام من بعده. ولكنه اجتهد في آخر يوم من حياته وشاء أن يعين عمر خليفة من بعده.

    وعلى رغم أن أبي بكر كان يعتقد أن الأمر من حق الأمة،[5] إلا أنه عهد الى عمر بن الخطاب من بعده. وهنا ينقل المؤرخون صوراً متناقضة حيث يقول بعضهم إنه فرضه على المسلمين فرضاً، بينما يقول بعض آخر إنه استشارهم وأخذ رضاهم.

 

   يقول ابن قتيبة الدينوري و القاضي الهمداني والشهرستاني : إن أبا بكر دعا عثمان بن عفان وقال له اكتب:"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده من الدنيا خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها، حين يؤمن الكافر ويوقى الفاجر ويصدق الكاذب: إني استخلفت بعدي عمر بن الخطاب، فان بَرَّ و عدل فذلك ظني به ورأيي، وان بدَّل وجار فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردتُ، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".[6]

   وقد أثار قرار أبي بكر هذا معارضة بعض المهاجرين والأنصار، فدخلوا عليه وقالوا: نراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته، وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا، فكيف إذا وليت عنا وأنت لاقٍ الله عز وجل فسائلك، فما أنت قائل؟ وقال له طلحة: وليت علينا فظاً غليظاً؟ فقال أبو بكر: لئن سألني الله لأقولن: استخلفت عليهم خيرهم في نفسي.[7] ثم أرسل الى عمر فقال: أحبك محبٌ، وأبغضك مبغضٌ، وقديما يُحَب الشر ويُبغض الخير. فقال عمر: لا حاجة لي بها، فقال أبو بكر: لكن بها اليك حاجة.[8]  

   بينما يقول السيوطي: لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس من كوة، فقال: أيها الناس، إني قد عهدت عهداً، أفترضون به؟ فقال الناس: رضينا يا خليفة رسول الله، فقام علي، فقال: لا نرضى إلا أن يكون عمر، قال: فإنه عمر.[9]

   وإذا صحت الرواية الأولى، يمكن القول بأن البيعة تمت بعيداً عن أجواء الشورى، وخلافاً لوعد أبي بكر للأنصار بأن لا يتم أمرٌ دون استشارتهم، فضلا عن المهاجرين الذين كانوا يشعرون أنهم أولى بالسلطة من غيرهم، وأنهم أهل الشورى.[10] وبغض النظر عن الحجة التي ساقها أبو بكر لتبرير قرار العهد من إرادة الخير للمسلمين، فان مبدأ الشورى كان يقتضي استشارة زعماء المهاجرين والأنصار قبل اتخاذ ذلك القرار، فضلا عن تشكيل مجلس للشورى، كما فعل عمر من بعد، وإيكال المسؤولية له لانتخاب خليفة جديد. ولذلك فان كثيراً من الفقهاء الدستوريين وخاصة المحدثين ومنهم ابن تيمية، يقولون إن خلافة عمر لم تنعقد بالعهد من أبي بكر، وإنما تمت بالبيعة التي أعقبت وفاته، وإن عملية العهد لم تكن إلا ترشيحاً واقتراحاً وليست فرضاً وتعييناً.[11]

    ورغم ان الأمر كان موضوعاً سياسياً وليس أمراً شرعياً، فربما اعتبر بعضهم طاعة أبي بكر في موضوع العهد الى عمر جزءا من الطاعة الواجبة للإمام، في ظل غياب دستور واضح يرسم نظام الشورى، أو يمنع من العهد بصراحة.[12] وما زاد الأمور غموضاً هو أن ذلك التعيين كان خارج حدود صلاحيات الخليفة في الأمر والنهي، أو حدود الطاعة له في الأمور الشرعية، وإنما يتعلق بأمر عرفي ومدني ، أو بأساس موضوع الولاية، وهو أمر لم يتم الحديث عنه لدى انتخاب أبي بكر، ولم يكن داخلاً ضمن عقد البيعة. ولقد كانت (آية الطاعة) تتحدث عن وجوب طاعة أولي الأمر، وتأمر المسلمين بالرجوع الى الله والرسول، في حالات النزاع والاختلاف بينهم وبين أولي الأمر، ولم تكن هنالك مشكلة في هذه الحدود المعروفة، ولكن المشكلة كانت تكمن فيما إذا كان الخلاف في أمر سكت عنه الله والرسول وأوكل أمره الى الناس مثل موضوع انتقال السلطة وكيفية تولي الحكم، حيث لا نصَ شرعياً حول الموضوع، فكيف يُحل النزاع؟ والى من يرجع؟ الى الحاكم؟ أو الى الأمة؟

    ويبدو أن معارضة الصحابة لتعيين عمر كانت معارضة شخصية بالنسبة له، أكثر مما كانت لأساس مبدأ العهد والتعيين، إذ تركزت الاحتجاجات على شخصية عمر ولم تستنكر مبادرة أبي بكر الى التعيين.[13]  وقد رضي الصحابة بعمر بن الخطاب وبايعوه طوعاً لا كرهاً وأحبوه فيما بعد.[14]

 

   وفي الحقيقة يمكن القول إن دستور الحكم في ذلك العصر كان مؤقتاً ، أو كان يكتب بالتدريج من وحي الثقافة السياسية القائمة تلك الأيام والتي كانت مزيجا من المفاهيم القبلية العربية والمبادئ والقيم الإسلامية، ولم تكن هناك جهة واضحة ومحددة لكتابته، وإنما كان يخضع لإرادة الحاكم واجتهاده  بدرجة كبيرة.[15]  

    وإذا كان تعيين أبي بكر لعمر مغايراً لما فعله النبي الأكرم (ص) من ترك الأمر للمسلمين وعدم تحديد شخص معين، ومغايراً كذلك لطريقة انتخاب أبي بكر في السقيفة، فانه كان أيضا مغايراً للعادات الملكية العربية التي كانت تقضي بالوصية إلى الأخوة والأبناء وحصر الملك في العائلة القريبة، إذ  أوصى أبو بكر إلى رجل بعيد عنه نَسَبيا، وإن كان من قريش إلا أنه لم يكن من قبيلته تيم.

 

3 - مجلس الشورى

 

    ومن الأمور التي يمكن التوقف عندها أيضاً، موضوع استخلاف عمر زعماء المهاجرين الستة (علي بن أبي طالب سيد بني هاشم، وعثمان بن عفان شيخ بني أمية، وطلحة بن عبيد الله كبير بني تيم، والزبير بن العوام زعيم بني أسد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رأسي بني زهرة). والطلب منهم اختيار واحد منهم للإمامة، مع استثناء الأنصار والتأكيد على أن ليس لهم من الأمر شيء.[16]

   ورغم إيمان عمر مبدئيا بحق الأنصار في تولي الخلافة، وكذلك جواز تولي حتى سالم مولى حذيفة، كما مرَّ سابقاً، فانه يلاحظ أن وصية عمر بتشكيل مجلس الشورى جاءت لتبعد الأنصار عن المشاركة في الشورى، سواء في الترشيح أو الانتخاب، وتقلص دورهم على الشهادة والمراقبة فقط.[17]

   وكان ذلك خلاف الاتفاق الذي جرى بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وزعماء الأنصار في سقيفة بني ساعدة، حيث وعدوهم بحفظ حق الشورى لهم، وعدم قطع أي أمر بدون استشارتهم.[18]

   وبغض النظر عن مبررات الوصية بالشورى للمهاجرين فقط، فان قرار عمر بن الخطاب هذا كشف عن تمتع الخليفة بصلاحية كبيرة في اتخاذ القرارات الدستورية كيفما يشاء، حيث كان بإمكانه تعيين من يريد، ولكنه رفض ذلك، كما كان بإمكانه اللجوء الى الصمت وعدم الوصية الى أي أحد، كما فعل رسول الله (ص)، وكان بإمكانه الوصية الى المهاجرين أو الأنصار أو الموالي، أو إقصاء أي فريق منهم وتحديد دورهم في الحياة السياسية وفي عملية اختيار الخليفة الجديد. وبكلمة أخرى: كان كتاب الدستور مفتوحاً، وقلمه بيد عمر يكتب فيه ما يشاء. ولم يكن - على ما يبدو- يلقى أية معارضة من أي فريق ، حيث لم يذكر التاريخ : أن الأنصار احتجوا على قرار عمر بإقصائهم أو حصر عملية الشورى بالمهاجرين فقط. وكان الأنصار والمهاجرون قد غابوا دستورياً عن عملية تعيين عمر بن الخطاب خليفة لأبي بكر ولم يحتجوا أو يعترضوا كثيراً. ولولا مبادرة عمر الى إحياء الشورى لكان موضوع العهد أو التعيين يصبح سنة ثابتة لدى المسلمين في وقت مبكر.

   وعلى أية حال، فقد كان تشكيل مجلس الشورى خطوة دستورية متطورة، ولكن في حدود عملية انتخاب الخليفة الجديد فقط. وقد قام المجلس بهذه المهمة وانتخب عثمان بن عفان وانتهى دوره بعد ذلك. في حين كان يفترض فيه أن يواصل أعماله في مراقبة الحاكم ومحاسبته ونقده وعزله عند الضرورة. وبالرغم من أنه لم يكن يمثل إلا فريقا من أقطاب قريش وهم المهاجرون، إلا انه كان يحظى باحترام سائر الصحابة والمسلمين ويتواصل معهم ويعبر عن ضميرهم وآمالهم ومصالحهم. ولو كان مجلس الشورى استمر في العمل لكان مثَّل أول مؤسسة دستورية تشريعية (ديموقراطية) تحافظ على سلامة الدولة الإسلامية وتحفظ الأمن والسلام والوحدة للمسلمين، ولكن مجلس الشورى مع الأسف قام بمهمة اختيار الخليفة الجديد، وذهب كل واحد من أعضائه الى بيته، رغم احتفاظ الزعماء الخمسة الباقين منفردين بدور كبير في قيادة المجتمع الإسلامي ومراقبة الأحداث والتأثير فيها بشكل أو بآخر.

 

4- العودة الى الاستبداد

 

وبسبب غياب مؤسسة الشورى التي تراقب الحاكم وتحاسبه وتعزله، اضطربت العلاقة بين الأمة والإمام في عهد عثمان بن عفان، وذلك عندما أخذ يولي أقاربه على الأمصار ممن لم يكن له مع النبي صحبة، ويؤثرهم على غيرهم.[19]  ويغدق عليهم من أموال المسلمين بدون استحقاق، حتى أنه أعطى خمس أفريقيا كله لمروان بن الحكم.[20] ويتساهل في تطبيق الحدود الشرعية عليهم. [21] بالرغم من أنه كان قد أعطى عهداً لعبد الرحمن بن عوف بالالتزام بسيرة الشيخين. [22]وهو ما أدى الى تفشي الفساد في الدولة الاسلامية.

    ومع أن كل ذلك كان متوقعاً وطبيعياً، الا أن المشكلة كانت تكمن في عدم وجود مؤسسة دستورية كمجلس الشورى، للتعامل مع ذلك الانحراف، ومقاومة الفساد، ومعالجته بشكل سلمي.

 

5- عدم وجود محكمة دستورية

 

  وعندما بدأ المسلمون ينتقدون عثمان ويعارضوه، أخذ يطالبهم بالسكوت والطاعة. وصعد على المنبر وقال:"أما والله يا معشر المهاجرين والأنصار، لقد عبتم لي أشياء ونقمتم أموراً قد أقررتم لابن الخطاب مثلها، ولكنه وَقَمكم (قهركم) وقمعكم ، ولم يجترئ أحد يملأ بصره منه ولا يشير بطرفه اليه، أما والله لأنا أكثر من ابن الخطاب عدداً، وأقرب ناصراً وأجدر .. أتفقدون من حقوقكم شيئاً؟ فمالي لا أفعل في الفضل ما أريد؟ فلِمَ كنت إماماً إذاً؟ أما والله ما عاب عليَّ منكم أحدٌ أمراً أجهله، ولا أتيت الذي أتيت إلا وأنا أعرفه".[23]

   وإذا صح هذا النص فانه يكشف عن رؤية عثمانية خاصة للمال العام مختلفة عن نظرة سلفيه أبي بكر وعمر، وعن فهم واسع لصلاحيات الحاكم يحق له على ضوئها التصرف بالمال كيفما يشاء، وإعطائه بحق أو بدون حق. ويكشف أكثر من ذلك عن محاولة من عثمان لصياغة واقع دستوري جديد وتحديد العلاقة بينه وبين الناس حسبما يشاء دون سماح لأي أحد بالمعارضة أو النقد أو المحاسبة. وقد ضرب عمار بن ياسر لأنه قدم له كتابا ينتقد فيه بعض أعماله، حتى أغشي عليه وفتق بطنه.[24]  

  وعندما ساءت الأمور لم يجد كبار الصحابة من أقطاب الشورى الذين انتخبوا عثمان ، مثل طلحة  والزبير، الا الاستغاثة بالجماهير المسلمة في مصر والاستنجاد بهم من أجل الضغط على عثمان.[25] ولقيت استغاثتهم صدى لدى أهل مصر الذين جاءوا الى المدينة يطالبون بعزل عاملهم عبد الله بن أبي سرح، فعزله عثمان وولى مكانه محمد بن أبي بكر.[26] ولكنهم في طريق عودتهم الى مصر وجدوا مع غلام لعثمان كتابا موقعا بخاتمه الى عبد الله بن أبي سرح يأمره بقتل محمد وعدد من أصحابه وقطع أيديهم، والبقاء في عمله. مما دفعهم الى العودة الى المدينة والمطالبة باستقالة عثمان.[27] وانظم اليهم وفد من أهل العراق، بعد أن قاموا بإخراج والي عثمان سعيد بن العاص من الكوفة، وتعيين أبي موسى الأشعري مكانه واليا عليهم.

  ورغم قيام كبار الصحابة بدور المحكمة بين الثوار وعثمان، والتحقيق في قضية الكتاب المزور المختوم بخاتم الخليفة، والذي تبرأ منه عثمان ونفى علمه به، والحكم بتسليم مروان المتهم بتزوير الخاتم لمعاقبته، إلا أنه لم تكن توجد أية محكمة دستورية أو سلطة قضائية عليا تبت في الأمر وتعاقب المجرم وتفرض الحكم القضائي على الخليفة، مما دفع الثوار الى المطالبة باستقالة عثمان أو القصاص منه.

   ولكن عثمان رفض الاستقالة، وقال:"… قد كان قبلي خلفاء، ومن يتول السلطان يخطئ ويصيب، فلم يستقد من أحد منهم، وقد علمت أنهم يريدون بذلك نفسي، وأما أن أتبرأ من الأمر ، فان يصلبوني أحب الي من أن أتبرأ من جُنة الله تعالى وخلافته… فاتقوا الله فإني لا أرضى لكم أن تنكثوا عهد الله".[28]

   وبغض النظر عن مبررات عثمان بعدم الاستقالة[29]، فإن من الواضح وصول الأزمة السياسية الى طريق مسدود، وتطور الأحداث باتجاه الفتنة بسبب عدم وجود سلطة قضائية أو دستورية عليا تستلم زمام الأمور وتحل المشكلة.[30]

 

  

 



[1] - قال ابن إسحاق: انما كانت العرب تتربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش وأمر النبي (ص) وذلك ان قريشا كانوا امام الناس وهاديهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل وقادتهم ولا ينكرون لهم، وكانت قريش هي التي نصبت لحربه وخلافه فلما استفتحت مكة ودانت قريش ودخلها الإسلام عرفت العرب انهم لا طاقة لهم بحربه وعداوته فدخلوا في دينه أفواجا يضربون اليه من كل وجه. تاريخ ابن خلدون ج2 ص 51

[2] - قال أبو بكر:" ليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا نفتات دونكم بمشورة ولا تنقضي دونكم الأمور". الدينوري،  الإمامة والسياسة، ج1 ص 12 - 17

[3]  - سنن الترمذي ج4 ص 503 وسنن ابن ماجة ج2 ص 900 باب ما جاء في الخلافة

[4] - الدينوري،  الإمامة والسياسة، ج1 ص 12 - 17

[5]  - حيث اشتهر عنه قوله:" إن الله ردَّ عليكم أمركم فأمّروا عليكم من أحببتم". وقد قدم استقالته عدة مرات وقال:"أقيلوني..أقيلوني" وهو ما أثار العجب لدى الامام علي بن أبي طالب الذي قال:"فيا عجباً.. بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته". نهج البلاغة، الخطبة الشقشقية.

[6]  - الهمداني، القاضي عبد الجبار، المغني في التوحيد والإمامة، ج20  قسم 2 ص 5 - 7

[7]  - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، ص  18 و الدينوري، الإمامة والسياسة، ج1 ص 25   

[8]  - الدينوري،  الإمامة والسياسة، ج1 ص 25   

[9]  - السيوطي ،  تاريخ الخلفاء، ص 78

[10]  - فقد وعد أبو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العدالة للجميع وحق المعارضة والإصلاح

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 02:22 ص

 

4- العدالة للجميع

 

   ونظرا لهيمنة الأمة على الأئمة، في عهد الخلفاء الراشدين، وممارستها لدور الخلافة بحيوية، فقد كانت الأمة تنعم بالعدل والمساواة بصورة عامة، ولم يكن القوي يأكل الضعيف، أو تقام الحدود على الضعفاء فقط بينما تُسقط عن الأقوياء. وقد حفظ لنا التاريخ قصصاً نادرة عن عدل الخلفاء الراشدين، مثلما روي عن عمر بن الخطاب الذي اقتصَّ من واليه في مصر عمرو بن العاص، لأن ابنه ضرب قبطيا بالعصا على رأسه، أثناء سباق بينهما، فاشتكى القبطي الى عمر، فاستدعى واليه عمروا وابنه، وطلب من القبطي أن يضرب رأس ابن عمرو، ثم طلب منه أن يثنّي بضرب رأس الأب، ثم قال كلمته الخالدة:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!".

  ومثلما روي أيضا عن عمر  الذي اقتص من الملك جبلة بن الأيهم الغساني، الذي كان يطوف في الكعبة فداس أعرابي على إزاره فانحل، فرفع جبلة يده فهشم أنفه، فشكاه الأعرابي الى عمر، فقضى له بلطم الملك على الملأ فعظم ذلك على الملك، وقال: كيف ذلك يا أمير المؤمنين وهو سوقة وأنا ملك؟ قال عمر: "إن الإسلام جمعك وإياه فلست تفضله بشيء إلا بالتقى".[1]

 

5- حق المعارضة والإصلاح

 

 وانطلاقاً من حق الأمة في الشورى وفي اختيار الحاكم الصالح وخلعه والخروج عليه إذا ما تجاوز الحدود الشرعية، وتنفيذاً لمسئوليتها في خلافة الله في الأرض، فقد كانت الأمة الإسلامية حاضرة في المسرح السياسي بقوة، تراقب وتحاسب وتنتقد وتمارس الشهادة والخلافة التي أوكلها الله لها. وقد سأل عمر بن الخطاب أصحابه ذات مرة، قائلاً:لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فسكتوا، فقال ذلك مرتين أو ثلاثا، فقال بشر بن سعد: لو فعلت ذلك لقوَّمناك تقويم القدح (يعني القوس) فقال عمر: انتم إذن !.. انتم إذن!.[2]

  وفي مناسبة أخرى قال عمر:"أيها الناس إذا وجدتم فيَّ اعوجاجاً فقوموني". فقالوا له:"والله لو لوجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا". فقال:" الحمد لله الذي جعل من المسلمين من يقوِّم اعوجاج عمر بالسيف. (أو) الحمد لله الذي جعل بيننا رجالا قادرين على تقويم اعوجاج عمر بسيوفهم".

   وتجسيداً لحق ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المال العام في عهد الخلفاء الراشدين

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 02:19 ص

3-  المال العام في عهد الخلفاء الراشدين

 

   ولما كانت السلطة في عهد الخلفاء الراشدين، نابعة من الأمة، وكان الخلفاء نواباً لها ووكلاء عنها في إدارة شؤون الدولة، فقد كان هؤلاء يعتبرون أنفسهم أمناء على الأمة ومصالحها، وينظرون الى المال العام باعتباره مال المسلمين وليس مالاً خاصاً للحاكم يتصرف به كيف يشاء ، فيحرصون على جمعه بحق وتوزيعه بعدالة. وذلك تنفيذا لقول الله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..) النساء 58 والتزاما بقول النبي (ص):"إني والله لا أعطي أحداً ولا امنع أحداً، وإنما أنا قاسم ، أضع حيث أُمرت".[1]

   وعندما تولى أبو بكر السلطة جمع وجوه الصحابة وقال لهم: ما ترون لي من هذا المال؟ فقال عمر: أنا والله أخبرك مالَكَ منه: أما ما كان لك من ولد قد بان عنك وملك أمره، فسهمه كرجل من المسلمين، وأما من كان من عيالك وضَعَفَة أهلك ، فتقوت منه بالمعروف وتقوت أهلك. فقال: يا عمر إني لأخشى ألا يحل لي أن أطعم عيالي من فيء المسلمين. فقال عمر: يا خليفة رسول الله، إنك قد شغلت بهذا الأمر عن أن تكتسب لعيالك.[2]

   ومع ذلك فان أبا بكر ظل متحرجاً من الراتب الذي يأخذه من مال المسلمين، فقال عند وفاته: انظروا ماذا أنفقت من بيت المال. فنظروا، فإذا هو ثمانية آلاف درهم، فأوصى أهله أن يؤدوها إلى الخليفة بعده.[3]

   وقد التزم أبو بكر بتوزيع المال على المسلمين بالسوية كأسنان المشط دون تفضيل أحد على أحد، سواء كان من أهل البيت أو من المهاجرين والأنصار أو من سائر العرب والمسلمين.[4] 

   وكان عمر ينظر الى المال العام كنظرة سلفه أبي بكر على أنه مال الله ومال الناس. ولم يكن يأخذ لنفسه إلا كسائر المسلمين، ولذلك كتب الى خازنه حذيفة: أن أعطِ الناس أعطيتهم وأرزاقهم. فكتب اليه: انا قد فعلنا وبقي شيء كثير، فكتب اليه عمر:" انه فيؤهم الذي أفاء الله عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر، اقسمه بينهم".[5] وأعلن أنه:" لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين، حلة للشتاء وحلة للصيف، وما أحج به واعتمر، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعدُ رجلٌ من المسلمين".[6] وقال:"إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي اليتيم من ماله: إن أيسرت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإن أيسرت قضيت". وكان إذا احتاج  أتى صاحب بيت المال، فاستقرضه، فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه.[7]

   وقال رجل لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى؟ فقال له عمر: أتدري، ما مثلي ومثل هؤلاء؟ كمثل قوم كانوا في سفر، فجمعوا منهم مالاً وسلموه إلى واحد منهم ينفقه عليهم، فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم؟ [8]

   وقدم عليه صهرٌ  له ، فطلب أن يعطيه من بيت المال، فانتهره عمر، وقال: أردتَ أن ألقى الله ملكاً خائناً؟ ثم أعطاه من ماله.[9]

   وقال عمر لابنه لما ضُرب: يا عبد الله انظر ما عليَّ من الدين. فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوها، فقال: إن وفى مال آل عمر فأدهِ من أموالهم، وإلا فاسأل في بني عدي، فان لم تفِ أموالهم فاسأل في قريش.[10]

   وبالرغم من ذلك، فقد كان عمر قلقاً من نفسه ومن سياسته المالية فكان يسأل الصحابة فيما إذا كان عادلاً، وبالتالي يستحق لقب خليفة؟ أم ظالماً وبالتالي فهو ملك؟ فسأل سلمان يوماً: أملكٌ أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان بصراحة وبدون تملق: إن أنت جبيتَ من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة!. فاستعبر عمر. وفي رواية أخرى قال: والله ما أدري  أ خليفةٌ أنا أم ملك؟ فان كنتُ ملكاً فهذا أمر عظيم. فقال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقاً: الخليفة لا يأخذ إلا حقاً ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس، فيأخذ من هذا ويعطي هذا.[11]

   وصعد عمر المنبر ذات مرة وهو يرتدي حلة (أي ثوبين) مما كان قد أعطى المسلمين منه ثوباً ثوباً، فقال : أيها الناس ألا تسمعون!.. فقال سلمان: لا نسمع، لأنك قسمت علينا ثوباً وعليك حلة، قال:

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدود الطاعة للإمام

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 02:18 ص

2-  حدود الطاعة للإمام

    ولما كانت البيعة تعني توكيل الأمة للخلفاء لكي يقوموا بمهام الخلافة، نيابةً عنها ؛ فقد كانت الطاعة التي تقدمها الأمة لهم نسبية ومشروطة بحدود الشرع ومصلحة الأمة، وليست طاعة مطلقة، كما كانت في مفهوم الحكومات الملكية السابقة على الإسلام واللاحقة له، قبل أن يبزغ الفكر الديموقراطي في أوربا.[1]  أما في الفكر السياسي الإسلامي، فقد كانت البيعة محدودة وليست مطلقة، وقائمة على رضا الأمة ودعمها للإمام، وكانت الطاعة مشروطة بالتزام الامام بطاعة الله وأحكامه وقوانينه، وهذا ما انعكس في خطبة أبي بكر الأولى إثر توليه الأمر، حيث قال:" أيها الناس..إني وُلِّيت عليكم ولست بخيركم. فان رأيتموني على حق فأعينوني. وان رأيتموني على باطل فسددوني (أو : فإن أسأت فقوموني). الصدق أمانة والكذب خيانة. أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق منه، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق له…".[2] وتدل هذه الخطبة على التزام أبي بكر بحدود معينة للسلطة، حيث أعلن من طرفه شروطاً لتولي السلطة تحرر الأمة من الخضوع له إذا ما أخل بها، وأكد أن الخلافة ليست سلطة ديكتاتورية مطلقة، وأن الخليفة ليس مخوَّلا من الأمة بلا قيد أو شرط، أو أنه حر بالتصرف بأموال الناس وأشخاصهم كيفما يشاء.

   ولعل أبو بكر قد استعار هذا المفهوم المحدود للسلطة من الآية الكريمة التي تقول:" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا". والتي تقيد طاعة ولاة الأمر الذين كان النبي يعينهم بنفسه، فضلا عن غيرهم، بالعودة للكتاب والسنة، ولا تعطيهم سلطة مطلقة على الناس.

  لقد كانت البيعة عملية طوعية تمارسها الأمة ، وتمنح من خلالها الثقة بالحاكم ، وتعبر عن الرضا به، في أجواء بعيدة عن التهديد والإكراه. وكانت الأمة تؤمن بحقها بسحب البيعة إذا ما أخلَّ الحاكم بشروط الحكم، وتعتبرها لاغية إذا ما شاب عملية البيعة أي نوع من الإرهاب.

  ولعلنا نجد في الحوار الذي جرى بين الامام علي بن أبي طالب وطلحة والزبير اللذين خرجا عليه في البصرة إقراراً  من الجميع بذلك المبدأ.

  قال طلحة والزبير:" دعانا (علي) الى الب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الشورى والبيعة

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 02:16 ص

 

1-   الشورى والبيعة

 

 ويجدر بنا هنا التوقف عند نقطة دستورية مهمة في تجربة انتخاب أول خليفة للمسلمين، وهي:  مسألة الشورى والبيعة وكيفيتها ومعناها.

   فقد تمت بيعة أبي بكر على مرحلتين، كانت البيعة الأولى في سقيفة بني ساعدة، والتي تمت  بمبادرة من قبل عمر بن الخطاب بصورة عاجلة وفي أجواء متوترة، ولم يشترك فيها سوى مجموعة من قيادات الأوس والخزرج، حتى أن عمر انتقدها بعد ذلك بقوله: " ألا ان بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، فمن عاد الى مثلها فاقتلوه ، فأيما رجل بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فانه لا يؤمر واحد منهما تغرة ان يقتلا ".[1] إلا ان بيعة أبي بكر أصبحت شرعية في المرحلة الثانية عندما ذهب الى المسجد وبايعه عامة المسلمين في المدينة، ورضوا به.[2]

   واختلف الفقهاء والمتكلمون حول بداية اكتساب خلافة أبي بكر للشرعية الدستورية، هل ببيعته في سقيفة بني ساعدة من  قبل عمر وأبي عبيدة؟ أم ببيعته من قبل زعماء الأنصار في السقيفة؟ أم ببيعته في المسجد من قبل عامة المسلمين؟ ففي حين قال بعض الفقهاء :إن "بيعة الطاعة" العامة وجبت على المسلمين بعد البيعة الأولى على البيعة الأولى، التي أطلقوا عليها اسم "بيعة التأسيس". نفى بعض المتكلمين وجود دلائل شرعية قوية على وجوب خلافة أبي بكر بمجرد بيعته في السقيفة وقبل أن يبايعه سائر المسلمين.

     وبالطبع لم يكن يمكن في تلك الظروف  أن يتم أخذ البيعة من بقية المسلمين خارج المدينة في ذلك اليوم، ولم يمكن أن تتوقف خلافة أبي بكر على استشارتهم و أخذ رأيهم في الموضوع، خاصة وأن المهاجرين والأنصار كانوا يعتبرون أنفسهم الطليعة الرسالية التي جاهدت من أجل نشر الدين الإسلامي، والنخبة القبلية التي تمثل غالبيتهم، ولم تكن ثمة أية مجالس استشارية معدة ومتفق عليها من قبل وتضم رؤساء الأحزاب والملوك والقبائل العربية، حتى يتم اللجوء اليها لبحث موضوع الخلافة أو اختيار الخليفة الجديد، إذ أن العملية تمت بصورة عفوية وطبيعية وسريعة.

  إن البيعة كانت تعني أن السلطة للأمة تخولها بإرادتها لمن تشاء، ولمن تفوضه لتطبيق الشريعة الإسلامية والحفاظ على مصالح الأمة. هكذا كان أبو بكر يعتقد أن السلطة هي من حق الأمة،  وأنها  لم تتنازل له عن حقها بالسلطة الى الأبد، ولذلك فقد كان يؤمن بأن من حق الأمة ان تستعيد السلطة منه متى تشاء، حتى إذا لم يرتكب جرماً أو ينقض عهداً يوجب عزله، فقد قال في خطبة له قرب وفاته:" إن الله ردَّ عليكم أمركم فأمِّروا عليكم من أحببتم". ولما فرغ من قتال أهل الردة قام في الناس خطيباً ثلاثة أيام يقول: "أقيلوني". فقام اليه علي فقال:" يا أبا بكر، لا نقيلك ولا نستقيلك".[3]

 

   وكان عمر بن الخطاب يشارك أبا بكر مفاهيمه عن الشورى والبيعة وحق الأمة في انتخاب أئمتها، وكان يقول:"لا خلافة إلا عن مشورة".[4] و"من دعا الى إمارة نفسه أو غيره من غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه. (أو) فلا يحل لكم أن لا تقتلوه".[5] وبلغ عمرَ في آخر حجة وهو بمنى أن رجلا قال:"لو مات عمر بايعت فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت". فقال عمر :"إني – ان شاء الله – لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم". ولما وصل المدينة قام في أول جمعة فخطب خطبته المشهورة في شأن خلافة أبي بكر، ثم قال:"…لقد كانت فلتة، فمن بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يُتابَع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا".[6]  

   وكان عمر يرى تساوي المسلمين من المهاجرين والأنصار وغيرهم، وحتى من الموالي، في تبؤ منصب الخلافة، إنما الأفضلية بالطبع للطليعة الرسالية التي قام على أكتافها الإسلام. ومن هنا أعلن: "إن هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا ، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء".[7] وهذا أمر طبيعي في ذلك الوقت تجاه الأشخاص الذين حاربوا الإسلام حتى انتصر عليهم. وفي هذا المجال اشتهر عن عمر قوله:" لو كان سالم مولى حذيفة حياً لوليته، أو لما دخلتني فيه الظنة".[8]

   وانطلاقاً من رؤية عمر الى الخلافة بأنها حق الأمة، رفض كسلفه أبي بكر أن يحوِّل الخلافة الى ملك عضوض بأن يورث الحكم الى أبنائه، رغم اقتراح بعض الصحابة عليه ذلك، إذ قالوا له:"يا أمير المؤمنين إن في عبد الله للخلافة موضعاً فاستخلفه، فإنا راضون به" فقال عمر:"حسب آ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الطابع المدني لتجربة الخلفاء الراشدين السياسية

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 02:15 ص

الفصل الثاني: الطابع المدني لتجربة الخلفاء الراشدين السياسية

 

سقيفة بني ساعدة

 

   إذن فقد بادر زعماء الأنصار من الأوس والخزرج، بعد وفاة رسول الله، الى عقد جلسة خاصة في سقيفة بني ساعدة للتباحث بشأن إقامة سلطة جديدة في المدينة على أساس طبيعي قبلي، أسوة بالحكومات الملكية العربية التي أقرها الرسول في مختلف أطراف الجزيرة العربية، ولم يكن يدور في خلدهم أنهم يسعون الى إقامة نظام حكم ديني خاص، أو نظام شامل لجميع المسلمين. وكان الأوس والخزرج قبيل ظهور الدعوة الإسلامية، يكادون يتوجون زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول ملكاً عليهم، ولكن مجيء الرسول الى المدينة أعاق عملية تتويجه وبناء دولتهم الخاصة.

   وعندما بادر الأنصار الى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة للتداول بشأن انتخاب زعيم جديد ؛ شعر بقية المهاجرين وبالذات زعماؤهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح أنهم سينشئون سلطة جديدة تحل محل الرسول وتفرش ظلالها على مكة والمدينة، وأن مرشح الأنصار سيكون في نفس الوقت زعيماً للمهاجرين، وكان زعيم الخزرج يومئذ سعد بن عبادة هو المرشح الأوفر حظاً لتولي الخلافة،  في الوقت الذي لم تكن فيه مسألة الزعامة واضحة ولا متفق عليها بين المهاجرين والأنصار. ولذلك بادر زعماء المهاجرين (أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح) الى المشاركة في اجتماع السقيفة رغم عدم دعوتهم، ورغم عدم انتمائهم الى بيت الزعامة في قريش (بني عبد مناف) إلا أن تاريخهم الطويل مع الرسول ومكانتهم منه أهلتهم للدخول في السقيفة ومحاورة زعماء الأنصار.

    وبينما كان الأوس والخزرج يتداولون بشأن انتخاب زعيم جديد لهم من بينهم وحدهم ، تدخل أبو بكر وطالب بأن تكون الزعامة في المهاجرين، وقدم حججه من أجل ذلك، واقترح لهذا المنصب عمرَ أو أبا عبيدة، ولكن هاذين الصحابيين المهاجرين أصرا على  ترشيح أبي بكر، فاقترح الأنصار أن يتم تقاسم السلطة أو تداولها بشكل دوري بين المهاجرين والأنصار، ولكن المهاجرين رفضوا هذا الاقتراح، وحاول أبو بكر أن يطمئن الأنصار ويقدم حلاً آخر بضمان دور الوزارة لهم، قائلا:" ليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا نفتات دونكم بمشورة ولا تنقضي دونكم الأمور". ومع ذلك لم يعجب هذا العرض بعض الأنصار كالحباب بن المنذر، الذي قام فقال:" يا معشر الأنصار املكوا عليكم أيديكم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

طبيعة دولة الرسول الأعظم في المدينة

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 02:10 ص

 

الباب الأول: الطابع المدني للدولة الإسلامية الأولى

 

الفصل الأول: الفصل الأول:طبيعة دولة الرسول الأعظم في المدينة

 

   يعتمد الفكر السياسي السني في بناء نظرية الخلافة، بالدرجة الأولى ، على تجربة الخلفاء الراشدين، التي يرى فيها نموذجا أعلى للحكم في الاسلام، ومصدراً من مصادر التشريع السياسي، باعتبار "الإجماع" الذي تحقق بين أصحاب رسول الله (ص) حول كثير من الأمور الدستورية. وربما كانت أهم مسألة في تلك التجربة هي مسألة الصبغة الدينية للخلافة وفيما إذا كان قيامها على أساس السمع أو العقل، حيث يشكل ذلك الجدل، الذي دار في وقت متأخر، مفترقاً للحكم على تجربة الخلافة بأنها كانت حكما دينيا أو مدنيا.

    ولذا فإن من المهم جدا التوقف عند هذه النقطة، والنظر في طبيعة الدولة في الاسلام وهل هي جزء من الدين؟ وبالتالي فلا يجوز الابتداع فيها. أو أنها من الأمور التي تركها الاسلام للمسلمين وللعقل الانساني لكي يبدع فيها ما يشاء حسب الحاجة والظروف؟

  وقبل أن نتحدث عن تجربة الخلفاء الراشدين، يجدر بنا التوقف عند تجربة الرسول السياسية وعلاقته بالممالك العربية المسلمة التي كانت قائمة في عهده. فبالرغم من أن الرسول الأعظم كان يمتلك شرعية سماوية إلا انه أقام دولته في المدينة على أساس احترام دور الأمة. وتضمنت البيعة التي أخذها من المسلمين:الالتزام بطاعة الرسول وعدم عصيانه في معروف، بالإضافة الى نبذ الشرك وتجنب السرقة والزنا والقتل. ولم تكن البيعة تفويضاً مطلقاً من المسلمين للنبي أو خضوعاً من طرف واحد لحكم مطلق، وإنما كانت أشبه بعقد بين طرفين يستلزم حقوقاً وواجبات لكلا الطرفين، فقد جاء في قصة البيعة التي أسست لدولة الرسول في المدينة أن أحد الأنصار وهو أبو الهيثم مالك ابن التيهان سأل النبي (ص) قبل البيعة، عن موقفه إذا ما قامت الحرب بين قوم الأنصاري من الخزرج وبين اليهود بالمدينة، وعما إذا كان سيبقى معهم أم هو تاركهم؟  فرد الرسول قائلا: "بل الدم الدم ، الهدم الهدم، أنتم مني وأنا منكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم".[1] وبناء على ذلك لم يتخذ الرسول قرار الحرب بنفسه، عندما واجه قريشا في بدر، إلا بعد موافقة الأنصار. 

  ولم يكن الرسول يهتم بفرض سلطته السياسية على القبائل العربية التي كانت تدخل في الاسلام، بقدر ما كان يهمه أمر التوحيد والصلاة والزكاة. ولذلك لم يتدخل (ص) كثيرا في أمور السياسة المحلية للقبائل والشعوب التي كانت تعلن الإسلام. وإنما كان يخاطب الملوك المعاصرين له ويدعوهم الى الإيمان برسالته ويعدهم بالمحافظة على ملكهم تحت أيديهم. وقد ترك الأمراء والملوك والأقيال والسلاطين الذين أسلموا في حياته على ما هم عليه، ولم يطلب منهم التخلي عن سلطاتهم السياسية لسلطته.[2]

   وعندما أسلم جبلة بن الأيهم، وهو أحد ملوك الغساسنة، ظل ملكا على قومه الى أن ارتد في عهد عمر في قصة معروفة. وكذلك عندما أسلم ملوك حمير أبقاهم رسول الله على مكانتهم.[3] وأرسل اليهم معاذ بن جبل يعلمهم الدين ويقضي بينهم، وكتب اليهم عهدا جاء فيه:"هذا عهد محمد بن عبد الله رسول الله الى معاذ بن جبل وأهل اليمن حين ولاه أمرهم فيهم… وان يكون أبا رحيما يتفقد صلاح أمورهم… وإني لم ابعث عليكم معاذا رباً، وإنما بعثته أخاً ومعلماً ومنفذاً لأمر الله تعالى ومعطيا الذي عليه من الحق مما فعل ، فعليكم له السمع والطاعة والنصيحة في السر والعلانية، فان تنازعتم في شيء أو إرتبتم فيه فردوه الى الله والى كتابه عندكم، فان اختلفتم فردوه الى الله والى الرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلكم خير لكم وأحسن تأويلا".[4]

   وكذلك فعل مع ملوك حضرموت الذين أمَّرَ عليهم أحدَهم وهو وائل بن حجر، وأمرهم بالسمع له والطاعة.[5] ووعد كثيرا من القبائل العربية التي أسلمت بأن يحافظ على ما بأيديها وان يولي عليها أمراءها.[6]  

   وقد خلت رسائل الرسول الى كسرى وقيصر وعظيم القبط من أية دعوة للتنازل عن الملك إليه، وإنما تضمنت فقط دعوتهم الى الدخول في الدين الجديد.[7]

    وحسبما يقول الدكتور علي ع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المقدمة.. بين الخلافة والديموقراطية

كتبها أحمد الكاتب ، في 11 فبراير 2007 الساعة: 01:49 ص

 بسم الله الرحمن الرحيم

 بين الخلافة والديموقراطية

 

بعيدا عن ضجيج الصراع الطائفي وغبار المعارك المذهبية الملتهبة أو المؤججة بين الشيعة والسنة في هذه الأيام، يطرح هذا السؤال نفسه: هل يوجد أي معنى حقيقي وواقعي للعناوين الطائفية القديمة؟ وماذا يميز الشيعة عن السنة؟ وهل ما يفرقهم اليوم أكثر مما يجمعهم؟ وما هو جوهر الخلاف بينهم؟ ومن يقف وراء تأجيج الصراع بين الطوائف؟ هل هي المصالح الشعبية المتناقضة؟ أم الأنظمة السياسية المتصارعة والمعادية لشعوبها؟

  وباختصار: هل المعركة الطائفية حقيقية؟ أم وهمية؟ وهل ثمة شيعة وسنة في الواقع؟أم مجرد أسماء جوفاء؟

  يعتقد الكاتب أن الصراع الطائفي مفتعل بدوافع جديدة خارجية لا علاقة لها بالخلاف القديم الذي مزق المسلمين إلى شيعة وسنة، وأن الطوائف الإسلامية كلها مرت بتطورات فكرية سياسية  جذرية لم يعد لعناوينها القديمة أي معنى أو علاقة باسمها السابق، وبالتالي فان الطوائف الإسلامية باتت اليوم أقرب إلي بعضها البعض أكثر من أي وقت مضى. ويكفي أن يتعرف كل فريق  على التطورات الجذرية التي حدثت في نفسه وفي الفريق الآخر، حتى يدرك عبثية الأسماء التاريخية المفرقة، ويتعرف على حجم النقاط المشتركة الجامعة.

 

    لقد قلت في دراسة سابقة عن (تطور الفكر السياسي الشيعي): إن الشيعة الإمامية لم يعد لهم وجود، بعد حصول تطور جذري كبير لدى الشيعة وتخليهم عن أهم أعمدة الفكر الإمامي وهو اشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الإمام، وقبولهم بالنظام الديموقراطي. وأود القول هنا في هذه الدراسة: أن السنة أيضا لم يعد لهم وجود، بعد قبولهم بالنظام الديموقراطي، وتخليهم عن نظام الخلافة ومعظم فقرات الفكر السياسي السني، الذي تشكل في أيام الخلافة العباسية وامتد إلي أيام الخلافة العثمانية. ولا سيما بعد حصول الثورة العلمية النقدية ضد أصول المذهب السني القديم كالأحاديث الضعيفة الدخيلة في "السنة" وأصل "الإجماع". وهذا ما يؤكد اتفاق المسلمين جميعا حول فكر سياسي واحد هو الفكر الديموقراطي، وابتعادهم عن العوامل والنظريات السياسية التي كانت تفرق بينهم، حيث كان يذهب الشيعة الإمامية إلي كون الإمامة (أو الخلافة) تنحصر في "أهل البيت" وكان أهل السنة يذهبون إلي كون الإمامة في ولد بني العباس، أو العثمانيين فيما بعد.

  ولما كان الخلاف السياسي هو أهم وأكبر خلاف بين الشيعة والسنة، فإن الاتفاق فيما بينهم اليوم على نظام سياسي واحد يؤكد زوال ذلك الخلاف وعدم وجود أي خلاف جوهري ما عدا بعض القشور والشعارات والعناوين الوهمية، أو الاختلافات الفقهية الجزئية. ومن المعلوم أن الاختلافات الفقهية موجودة في داخل مذهب، بل بين كل فقيه وفقيه، ولكنها لا تشكل أي مبرر جدي للاختلاف، خصوصا مع الالتزام بآلية ديموقراطية كمجلس النواب، لسن القوانين، وتشكيل لجان نيابية أو مجالس فقهية مشتركة لبحث وإقرار أي قانون جديد.

  وقد تعززت الوحدة الإسلامية بين بقايا الطوائف الإسلامية الشيعية والسنية، مع ظهور تيار ثقافي تجديدي يدعو إلي العودة إلي القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة المتواترة، وترك المنابع الثقافية والأصول التشريعية المختلف حولها، مثل أخبار الآحاد المنسوبة إلي النبي أو إلي أهل البيت أو الصحابة. وذلك لأن العودة إلي القرآن والسنة تعني العودة إلي الإسلام بدون أطر طائفية، وهو ما يتلخص بعقيدة التوحيد والإيمان بالآخرة والنبوة، وبممارسة أركان الإسلام من الصلاة والصوم والحج والزكاة، وتجنب المحرمات والالتزام بأحكام الشريعة. وهذه كلها أمور متفق عليها بين كل الطوائف بصورة عامة، ولم يكن الخلاف يوما يدور حولها، ولكن حول الأنظمة والمذاهب السياسية، التي تحولت لدى البعض إلي مستوى "العقيدة" وفرقت بينهم وبين الآخرين، واعتمدت بدرجة كبيرة على الأحاديث المزيفة والموضوعة، فإذا تم التخلي عن هذه الأحاديث والعودة إلي القرآن وال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السابق